وأما مسألة أن العروج كان بالروح والجسد فهذا هو الذي تعضده الأدلة. ذلك أن العبد في قول الله - عز وجل - { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } (1) يشمل الروح والجسد. وأيضا يقظة لا مناما؛ لأن العروج مناما هذا لا جديد فيه، ولا يتأتى أن ينكره المشركون. وإنما تظهر الآية إذا كان العروج بالروح والجسد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة؛ ولهذا كذب المشركون بذلك، وهذا هو القول الذي تعضده الأدلة، وهو الذي ذهب إليه جمهور أهل السنة.
لكن من الناس من ذهب إلى أن الإسراء كان بروحه دون جسده، ومنهم من ذهب إلى أن الإسراء كان مناما لا يقظة، ومنهم من ذهب إلى أن الإسراء كان مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما. وكل هذه الأقوال مرجوحة.
الله قبض قبضتين؛ فقال: هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار
إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين؛ فقال: هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار وهذا قد ورد في حديث مرفوع بألفاظ وطرق متعددة؛ كما عند الإمام أحمد، وابن أبي عاصم، والدولابي في"الكنى"، والعقيلي في"الضعفاء".
وأحاديث القبضتين أحاديث صحيحة بمجموعها؛ فقبض قبضة إلى الجنة؛ ممن كتب الله - عز وجل - وقدر أنهم من أهل الجنة، ويعملون بعمل أهل الجنة. وقبض قبضة إلى النار؛ ممن كتب وقضى وقدر أنهم من أهل النار، ويعملون بعمل أهل النار؛ لكن لا يؤخذ من هذا العمل الاتكال على ما سبق في علم الله.
(1) - سورة الإسراء آية: 1.