يقول:"واعلم أنّ ألفاظ الصوفية وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئا وهو حسير". بمعنى كأنه يقول: إن الصوفية لديهم مصطلحات يختلف معناها الحقيقي عما يظهر منها، لكن يقال: يمكن أن يسلم هذا للمتقدمين ممن كان تصوفهم أميل إلى الاعتدال، وهو عبارة فقط عن الزهد.
أما المتأخرون فلا يسلم لهم ذلك -وإن زعموه-؛ لأن كلامهم وكتبهم تأبى أن يكون لها معنى غير هذه المعاني الباطلة، كما هي الحال مثلا في"فصوص الحكم"لابن عربي، و"الفتوحات المكية"، وكتب الحلاج وكتب ابن سبعين وكتب السهروردي وكل هؤلاء المتأخرين؛ فإنها تفوح بالإلحاد والضلال، ولا يسلم لهم أن هذه رموز ومصطلحات؛ لأنها أمور لا تحتمل إلا هذه المعاني الباطلة.
فكلام ابن خفيف يمكن أن يقال عن المتقدمين، ولهذا استدل بما روي عن جعفر بن محمد -يعني الخواص- وهو من شيوخ الصوفية المتقدمين، المتوفى سنة ثلاثمائة وثمان وأربعين. نعم إذا أطلق مثلا أني رأيت الله ثم عبدته شرح معنى هذه الرؤية، ومثل بهذا المثال فيقول: إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد فقال: كثيرا ما يقولون رأيت الله. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل هل رأيت الله حين عبدته قال:"رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره العيون بتحديد العيان لكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان".