وهذا ما ذكره ابن القيم في قضية معاينة القلب، وهي أن تنكشف صورة المعلوم له بحيث تكون نسبته إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين، ولهذا يقول ابن القيم:"وقد جعل الله سبحانه القلب يبصر ويعمى كما تبصر العيون وكما تعمى قال: { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } (1) فالقلب يرى ويسمع ويعمى ويصم، وعماه وصممه أبلغ من عمى البصر وصممه"، ثم ذكر أن مشاهدة القلب لجلال الرب وجماله وكماله وعزه وسلطانه وقيوميته وعلوه فوق عرشه وتكلمه بكتبه، وذكر شيئا من نعوته وصفاته.
ثم قال:"فصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه، وحركته وسكونه، وفطره وصيامه، له شأن وللناس شأن آخر". الشاهد أنه يقول: إن الإنسان كلما ازداد علما وكلما ازداد معرفة بالله - عز وجل - كلما قوي إيمانه، وكلما انفتحت له من أبواب الإيمان وأبواب المشاهدة التي لا تنفتح لغيره، لكن لا يُسلَّم هذا، هذا التأويل لا يُسلَّم للمتأخرين الصوفية لماذا؟ لأن المتأخرين أطلقوا عبارات لا تحتمل إلا المعنى الباطل، يعني عندما يقول قائلهم إنه يجلس مع الله، ويسامر الله، ويصافح الله، ويعانق الله، ويسمع من الله كفاحا بلا واسطة -كما سيأتي-، فهل هذا له احتمال آخر؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لكن أيضا أبو عبد الله ابن خفيف يؤكد على هذا المعنى: أن المتأخرين من أهل هذه الطائفة -التي هم الصوفية- أدخلوا في هذا المذهب ما أفسده ونقله إلى الحلول والإلحاد، نعم.
الرد على الصوفية المتأخرين القائلين بإسقاط التكاليف عن العبد
(1) - سورة الحج آية: 46.