ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين،أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع قال - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له، فليقل ربنا الله الذي في السماء ! وذكره، وقوله في حديث الأوعال"والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه .رواه أبو داود."
وهذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، والقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد، الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل، موصولا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله في الحديث الصحيح للجارية أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة وقوله في الحديث الصحيح: إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي وقوله في حديث قبض الروح: حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله إسناده على شرط الصحيحين وقول عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -
الشيخ -رحمه الله- لما ذكر جملة من الآيات الدالة على إثبات صفة العلو، انتقل لذكر جملة وأمثلة مما ورد في الصحيح، في إثبات هذه الصفة، فقال: وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى، ومعروف الحديث
الصحيح والحسن عند أهل المصطلح، الصحيح ما رواه العدل الثقة تام الضبط عن مثله، من أول السند إلى منتهاه، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة، والحسن مثل الصحيح عدا أنه رواه خفيف الضبط، وكلا الدرجتين من درجات الحديث المقبول الصحيح، ذكر منه قصة معراج رسول الله r إلى ربه، وهذه ثبتت في صحيح مسلم، فمعراجه -عليه الصلاة والسلام- إلى ربه U يدل على أن الله في العلو؛ ولهذا وصل -عليه الصلاة والسلام- سدرة المنتهى، وسمع صريف الأقلام، بل ارتفع إلى درجات أعلى من جبريل، فجبريل لما جاوز السماء السابعة توقف، وقال: لا أتجاوز هذا، هذا هو الحد الذي، فاصعد إلى ربك، فصعد النبي r .
أيضا نزول الملائكة من عند الله U وصعودها إليه، هذا ورد في حديث , إن لله ملائكة سيارة - فكونهم يصعدون وينزلون يدل على أن الله في العلو، وهذا في الصحيحين كذلك وقوله: , الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار - هذا أيضا ثبت في الصحيحين، وحديث الخوارج , ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء - أي كيف لا تأمنوني على دنيا، وأنا أمين الله U على كلامه، على وحيه، وأنا أمين من في السماء يعني الله U وحديث الرقية يقول الشيخ: الذي رواه أبو داود وغيره , ربنا الله الذي في السماء - الحديث في واقع الأمر رواه أبو داود، والإمام أحمد والحاكم، والبيهقي واللالكائي، وابن قدامة في العلو، والدارمي في الرد على الجهمية، لكن مدار الحديث على زياد أو زيادة بن محمد، وقد قال عنه الإمام البخاري: أنه منكر الحديث، وقال عنه ابن عدي: ليس له إلا حديث أو حديثين عفوا، ليس له إلا حديثين أو ثلاثة لا يثاب عليهما، وذكر الذهبي أنه ممن انفرد بحديث الرقية.
وعلى كل حال فصفة العلو ليست متوقفة على هذا الحديث، فحتى لو كان هذا الحديث ضعيفا، فهناك عشرات بل مئات الأحاديث الدالة على هذه الصفة، وأيضا حديث الأوعال، وهو حديث العباس قال: , كنا في بطحاء في عصابة فيهم رسول الله r فمرت سحابة فسألنا ما تسمون هذه قلنا: السحاب، قال: والعنان، قلنا: والعنان، قال: والمزن، قلنا: والمزن - إلى آخر الحديث , وفيه والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه - أيضا الشيخ تكلم عن سند هذا الحديث؛ لأنه هناك من طعن في الحديث؛ وجه الطعن في الحديث أن عبد الله بن عميرة الراوي عن الأحنف؛ والأحنف هو الراوي عن العباس؛ الإمام البخاري أنكر أن يكون عبد الله بن عميرة سمع من الأحنف؛ فالشيخ يقول: البخاري نافي؛ وابن خزيمة الذي أورد الحديث في كتابه؛ أي كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أن لا يرد فيه إلا ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكأن ابن خزيمة أثبت سماع من عبد الله بن عميرة عن الأحنف؛ والمثبت مقدم على النافي.
ولهذا الشيخ يقول: الحديث صحيح، ولا يرد عليه إنكار الإمام البخاري، الإمام البخاري -رحمه الله- أفاد بما علم أن عبد الله بن عميرة لم يسمع من الأحنف؛ فلهذا يقول: عبد الله بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف، يقول: إن البخاري في تاريخه التاريخ الكبير ذكر، فقال: عبد الله بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف، فرد عليه الشيخ -رحمه الله- بأن ابن خزيمة في كتاب التوحيد قد اشترط أن لا يحتج فيه إلا بالصحيح، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا السماع، فإذا عرفه غيره كابن خزيمة كانت معرفته وإثباته مقدم على نفي غيره، وعدم معرفته، وقد حكم عليه بذلك أن الحديث حسن -رحمه الله-، يقول: وقوله في الحديث الصحيح للجارية , أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله - الحديث ثابت في صحيح مسلم؛ ولهذا شرق به أهل البدع، الحديث صريح لا يحتمل التأويل النبي r يسأل هذه الجارية الأعجمية , أين الله؟ تقول: في السماء - وفي رواية , أنها أشارت إلى السماء - فقال النبي r , أعتقها فإنها مؤمنة -
فوقف أهل البدع من هذا الحديث ثلاثة مواقف، فمنهم من رد الحديث، وهذا ديدنهم دائما مع السنة، القرآن يلجأون إلى التأويل أو التفويض، السنة غالبا ما يلجأون إلى رد الحديث، ولهم في ذلك عدة شبه، أحيانا يقول الحديث آحاد ولا يحتج به في باب العقائد، ومنهم من لا يستطع رد الحديث، لكن حاول أن يؤول هذا الحديث فقال: , إن النبي r سأل الجارية أين الله - وإلا لا يجوز سؤال أين الله؟ أهل الكلام النفاة لصفة العلو لا يجيزون السؤال عن الله بأين؛ لأنك لو سألت عن الله بأين، بمعنى حددت له مكانا، وهم ينفون هذا الأمر.
طيب سؤال النبي r لهذه الجارية، قالوا: لا هو يسألها عن مقام الله U قدر الله U في نفسها، فأخبرته أن قدر الله في السماء، كما تسأل إنسان ما قدر فلان عندك، يقول: في السماء، بمعنى عال ومرتفع وعظيم.
لاحظوا هذا التأويل الفاسد، ومنهم من قال: أنه سألها للامتحان، ولم يقرها على هذا الأمر، ومنهم من قال: نفوض معنى هذا الحديث إلى الله U فلا ندري، لكن لا نثبت صفة العلو ولا نجيز أن يسأل عن الله بأين.
والحديث صريح في إثبات صفة العلو، واشتمل أيضا على جواز السؤال عن الله بأين، وأن إثبات صفة العلو لله دليل على إيمان الشخص، فالنبي r حكم على هذه الجارية بالإيمان؛ لما أثبتت أن الله في العلو، وأنه رسول الله وقوله في الحديث الصحيح: , أن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش - دليل على أن الله فوق العرش، وأن هذا الكتاب عنده، والحديث في الصحيحين , إن رحمتي سبقت غضبي - فهذا الحديث فيه دلالة على إثبات صفة العلو، وفيه دلالة على إثبات صفة الرحمة والغضب، وأيضا إثبات العرش.
وأيضا قوله في حديث: , قبض الروح حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله - الحديث صريح في إثبات صفة العلو لله U والحديث رواه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازب الطويل الذي في السنن، نعم.
قوله"وإسناده على شرط الصحيحين"هذه درجة من درجات الحديث الصحيح، أي درجة؟ اختلفتم منكم من يقول: ثاني، ومن يقول: رابع، ومن يقول: خامس، إذا قيل هذا الحديث على شرط الصحيحين، أي درجة من درجات الصحيح؟ الرابع الدرجة الأولى المتفق عليه، الدرجة الثانية ما رواه البخاري، الثالث ما رواه مسلم، الرابع ما كان على شرطهما، نعم.