لكن إذا استخدمه الإنسان في غير ما خلق له، أو أقحمه في أمور فوق طاقته، انقلب هذا العقل -الذي هو في الأصل أساس للهداية- انقلب سببا لبلاء صاحبه، كما حصل مع هؤلاء، هؤلاء أرادوا أن يحملوا عقولهم فوق طاقتها، والعقل -معاشر الإخوة- حاسة كسائر الحواس له حد، وله طاقة.
هذه اليد أعطاك الله إياها، لكن تستخدمها في حدود ما خلقت له، تستطيع ترفع بها هذا الإناء، تستطيع ممكن ترفع بها هذه الطاوية، لكن لو أراد إنسان أن يرفع بهذه اليد هذا المسجد، هل يمكن؟ ولو حاول لتلفت يده، والسبب أنه أراد أن يستخدمها في شيء أعظم من الطاقة التي خلقت لأجله، كذلك العقل هؤلاء أرادوا أن يقحموا عقولهم في كل شيء؛ ولهذا جعلوا العقل هو الميزان، حتى في الأمور الغيبية، حتى في الأمور المتعلقة بالله -عز وجل-؛ ولهذا عادت عقولهم وبالا عليهم، وصارت سببا لضلالهم وانحرافهم، حتى انتهوا إلى مثل هذا المذهب الخبيث، إذا كان الله U ليس بداخل العالم ولا خارجه، أين هو؟ إذن هو العدم.
ولهذا قال محمود بن سبكتكين لذاك النافي لما وصف الله U بهذا النفي، ليس في كذا وليس في كذا، قال: ميز لي بين هذا الرب الذي تعبده وبين العدم، لو قلت لك: صف لي العدم ما وجدت أحسن من هذا الوصف؛ ولهذا قال العلماء: المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالإصبع.
وهذا أيضا مذهب المعطلة، أنه لا تجوز الإشارة إلى الله بالإصبع؛ لأنك إذا أشرت إليه فقد حددت مكانه، وعندهم أن الله U لا مكان له ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر t وهذا في صحيح مسلم في حجة الوداع، لما قال النبي r وقد اجتمع له في هذا الموقف ما لم يجتمع له في موقف آخر، جمع له من أصحابه أكثر من مائة ألف، وأنزل الله - عز وجل - عليه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } (1) قال: إنكم مسئولون عني يوم القيامة؛ لأن كل أمة ستسأل عن رسولها، هل بلغت؟ هل قصر في البلاغ؟ فكأنه يقول: إن
كان هناك من تقصير، فأنا الآن موجود حي بين أيديكم بين أظهركم، سلوني أجبكم، إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فاستشهد الله عليهم.
الشاهد أنه قال:: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ينكبها بمعنى يميل أصبعه إليهم، فهذا دليل على جواز الإشارة إلى الله حسا، خلافا لمذهب المعطلة، إضافة لحديث الجارية السابق، كما في صحيح مسلم، لما سألها أين الله؟ قالت: في السماء، وأشارت إلى السماء، نعم.
ولا أنه تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع.
فإن كان الحق فيما يقولوه هؤلاء السالبون النافون للصفاة الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة، إما نصا وإما ظاهرا، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله r ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر، في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده، ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصا ولا ظاهرا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والفلاسفة يدنون، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها.
نعم. المؤلف يقول: فإن كان الحق هو هذا الذي جاء به هؤلاء النفاة المعطلة، وما قالوه خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة، يعني أننا نعلم أن مذهبهم مخالف لنص القرآن والحديث، كما في الأدلة السابقة، وذكر الشيخ أنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من سلف الأمة، ما يقوله هؤلاء، إذن عندنا ما يقوله هؤلاء المعطلة خلاف ما جاءنا في الكتاب والسنة، يقول: كيف يتصور أن يتكلم الله U ورسوله بما هو نص، لا يحتمل التأويل، أو بما دلالته دلالة ظاهرة له احتمالات، بخلاف الحق، هم الآن يقولون: إن الحق هو الذي جئنا به، وهو الذي نقول به، نعم: ودلالة الكتاب والسنة على خلاف ما قالوا به، إذن فكل ما في الكتاب والسنة خلاف الحق الذي يجب اعتقاده، والحق متوقف على كلام هؤلاء أنباط الفرس، كما وصفه الشيخ -رحمه الله-، أي أخلاط أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والفلاسفة، فمذهب هؤلاء كما عرفنا هو مستقى من أي شيء من الكتاب والسنة، أبدا أصوله وقواعده وأسسه مأخوذة من فلسفة اليونان، ومن ديانة اليهود والنصارى، نعم.
(1) - سورة المائدة آية: 3.