فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 291

الخوف ولا في الرّجاء، {هُوَ} عزّ وجلّ {أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر:56] .

فكن أبدا ناظرا إلى فعله مترقّبا لأمره، مشتغلا بطاعته، مباينا عن جميع خلقه دنيا وأخرى.

لا تعلّق قلبك بشيء منهم، واجعل الخليقة أجمع كرجل كتّفه سلطان عظيم ملكه، شديد أمره، مهولة صولته وسطوته. ثمّ جعل الغلّ في رقبته مع رجليه (1) ، ثمّ صلبه على شجرة الأذرة (2) ، على شاطىء نهر عظيم موجه، فسيح عرضه، عميق غوره، شديد جريه. ثمّ جلس السّلطان على كرسيّه (3) ، عظيم قدره، عال سماؤه، بعيد مرامه ووصوله، وترك إلى جنبه أحمالا من السّهام والرّماح والنّبل وأنواع السّلاح والقسيّ (4) وممّا لا يبلغ قدرها غيره، فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السّلاح، فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النّظر إلى السّلطان والخوف منه والرّجاء له، وينظر إلى المصلوب ويخاف منه ويرجوه، أليس من فعل ذلك يسمّى في قضيّة العقل عديم العقل والحسّ مجنونا، بهيمة غير إنسان؟.

نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة، ومن القطيعة بعد الوصول، ومن الصّدود بعد الدّنوّ والقرب، ومن الضّلالة بعد الهداية، ومن الكفر بعد الإيمان.

فالدّنيا كالنّهر العظيم الجاري الّذي ذكرناه. كلّ يوم في زيادة ماء وهي شهوات بني آدم ولذّاتهم فيها، والدّواهي الّتي تصيبهم منها.

وأمّا السّهام وأنواع السّلاح، فالبلايا الّتي يجري بها القدر إليهم، فالغالب على بني آدم في الدّنيا: البلايا، والنّقم (5) ، والآلام، والمحن. وما يجدون من النّعم واللّذّات فيها

1)قال الله تعالى: {إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس:8] . بأن تضمّ إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق.

2)لعلها الأرزة.

3)في نسخة: (كرسيّ) .

4)في المطبوع: (والقسا) . والقسيّ: القوس والنشاب.

5)في المطبوع: (والنفع) . والنّقمة: المكافأة بالعقوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت