-إرادة] أن يفعل لنفسه، ولا لغير الله، ولا يفعل بنفسه ولا بغير الله تعالى.
والثلاثة: مشتركون في الطريق، في أن كلاّ منهم لا يفعل إلا الطاعة، لكن يتفاوتون بكمال المعرفة والشهادة، وبصفاء النية والإرادة. والله أعلم.
فإن قيل: كلام الشيخ كلّه يدور على أنه يتّبع الأمر مهما أمكن معرفته باطنا وظاهرا، وما ليس فيه أمر باطن ولا ظاهر [في نسخة: باطنا ولا ظاهرا] يكون فيه مسلما لفعل الرب، بحيث لا يكون له اختيار لا في هذا ولا في هذا، بل إن عرف الأمر كان معه، وإن لم يعرفه كان مع القدر، فهو مع أمر الرب إن عرف، وإلاّ فمع خلقه، فإنه سبحانه له الخلق والأمر، وهذا يقتضي [في نسخة: يقضي] أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ولا نهي، فلا يكون لله فيه حكم لا باستحباب ولا كراهة [في نسخة: كراهية] . وقد صرّح بذلك: هو، والشيخ حمّاد الدّبّاس، وأن السالك يصل إلى أمور لا يكون فيها حكم شرعي بأمر ولا نهي، بل يقف العبد مع القدر، وهذا الموضع هو الذي يكون السالك فيه عندهم مع الحقيقة القدرية المحضة، إذ ليس هنا حقيقة شرعية.
وهذا ممّا ينازعهم فيه أهل العلم بالشريعة، ويقولون: (إن) الفعل: إمّا أن يكون بالنسبة إلى الشرع: وجوده راجحا على عدمه، وهو الواجب والمستحب. وإمّا أن يكون عدمه راجحا على وجوده، وهو المحرم والمكروه. وإمّا أن يستوي الأمران، وهو المباح. وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق.
ثم الفعل المعين - الذي يقال: هو مباح: إمّا أن تكون مصلحته راجحة للعبد لاستعانته به على طاعته [في نسخة: طاعة] ولحسن نيته. فهذا يصير أيضا محبوبا راجح الوجود بهذا الاعتبار. وإمّا أن يكون مفوّتا للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذي يشغله عن مستحب. فهذا عدمه خير له.
والسالك المتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين في حقّه مستوي الطرفين، فإنه إذا لم يستعن به على طاعته [في نسخة: طاعة] ، كان تركه وفعل الطاعة [في نسخة: طاعة] مكانه خيرا له، وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح مثله. فيقال: لا فرق بين هذا وهذا، فهذا يصلح للأبرار أهل اليمين الذين يتقربون إلى الله بالفرائض، كأداء الواجبات وترك المحرمات، ويشتغلون مع ذلك بمباحات. فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوي وجوده وعدمه في حقهم، إذا كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر، ولا سبيل (إلى) أن تترك النفس فعلا إن لم تشتغل بفعل آخر يضادّ الأول، إذ لا تكون معطّلة عن جميع الحركات والسكنات.
ومن هذا أنكر الكعبي المباح في الشريعة؛ لأنّ كل مباح فهو يشتغل به عن محرم، وترك المحرم واجب، ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده، وهذا المباح ضده، والأمر بالشيء [في نسخة: بشيء] نهي عن ضدّه، والنهي عنه أمر بضده (المعين) إن لم يكن له إلا ضدّ واحد، وإلاّ فهو أمر بأحد أضداده، فأيّ ضدّ تلبّس به كان واجبا من باب الواجب المخير.
وسؤال الكعبي هذا أشكل على كثير من النّظّار، فمنهم من اعترف بالعجز عن جوابه، كأبي الحسن الآمدي، وقوّاه طائفة، بناء على أنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه كأبي المعالي.