فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 291

-ومنهم من قال: هذا فيما إذا كانت أضداده محصورة، فأما ما ليست أضداده محصورة فلا يكون النهي عنه أمرا بأحدهما، كما يفرق بين الواجب المطلق والواجب المخير، فيقال في المخيّر: هو أمر بأحد الثلاثة، ويقال في المطلق: هو أمر بالقدر المشترك، وجدّنا [في نسخة: وجدي] أبو البركات يميل إلى هذا.

وقد ألزموا الكعبي إذا ترك الحرام بحرام آخر، وهو قد يقول: عليه ترك المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرّم، بل إمّا مباح، وإما مستحب، وإما واجب.

وتحقيق الأمر: أن قولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضدّه وأضداده، والنهي عنه أمر بضدّه، أو بأحد أضداده. من جنس قولنا: الأمر بالشيء أمر بلوازمه، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. والنهي عن الشيء نهي عمّا لا يتم اجتنابه إلا به [في نسخة: إلا باجتنابه] ، فإن وجود المأمور (به) يستلزم وجود لوازمه وانتفاء أضداده، بل وجود كل شيء هو كذلك يستلزم وجوده وانتفاء أضداده، وعدم النهي [في نسخة: المنهي] عنه، بل وعدم كل شيء يستلزم عدم ملزوماته، وإذا كان لا يعدم إلا بضدّ يخلقه كالأكوان، فلا بدّ عند عدمه من وجود بعض أضداده. فهذا حقّ في نفسه، لكن هذه اللوازم جاءت من ضرورة الوجود، وإن لم يكن مقصوده الأمر [في نسخة: تكن مقصودة للأمر] . والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصدا، و (بين) ما يلزمه في الوجود.

فالأول: هو الذي يذمّ ويعاقب على تركه بخلاف الثاني، فإن من أمر بالحج أو الجمعة وكان مكانه بعيدا، فعليه أن يسعى من المكان البعيد، والقريب يسعى من المكان القريب، فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به، ومع هذا: فإذا ترك هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب، بل ذلك [في نسخة: ذاك] بالعكس أولى، مع أن ثواب البعيد أعظم، فلو كانت اللوازم مقصودة للآمر [في نسخة: للأمر] لكان يعاقب بتركها، فكأن يكون [في نسخة: تكون] عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعا.

وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بدّ من ترك أضداده، لكنّ ترك الأضداد هو من لوازم فعل المأمور به ليس مقصودا للآمر [في نسخة: للأمر] ، بحيث أنه إذا ترك المأمور به عوقب على تركه لا على فعل الأضداد التي اشتغل بها، وكذلك المنهي عنه مقصود الناهي عدمه، ليس مقصوده فعل شيء من أضداده، وإذا تركه متلبسا بضد له كان ذلك من ضرورة الترك.

وعلى هذا: إذا ترك حراما بحرام آخر، فإنه يعاقب على الثاني، ولا يقال: فعل واجبا، وهو ترك الأول؛ لأن المقصود عدم الأول، فالمباح الذي اشتغل به عن محرّم لم يؤمر به، ولا بأمثاله، كان [في نسخة: ولا بامتثاله] أمرا مقصودا؛ لكن نهي عن الحرام، ومن ضرورة ترك المنهي عنه الاشتغال بضدّ من أضداده، فذاك يقع لازما لترك المنهي عنه، فليس هو الواجب المحدود بقولنا: «الواجب ما يذمّ تاركه، ويعاقب تاركه» أو: «يكون تركه سببا للذمّ والعقاب» .

فقولنا: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» أو: « (لا) يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب» . يتضمن إيجاب اللوازم. والفرق ثابت بين الواجب الأول والثاني؛ فإن الأول يذمّ تاركه -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت