فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 291

-والميت مع الغاسل. فهذا مما [في نسخة: ما] لم يأمر الله به ولا رسوله، بل هذا محرّم، وإن عفي عن صاحبه، وحسب صاحبه أن يعفى عنه لاجتهاده وحسن قصده.

أما [في نسخة: إما] كونه يحمد على ذلك، ويجعل هذا أفضل المقامات فليس الأمر كذلك، وكونه مجردا عن هواه ليس مسوّغا له أن يستسلم لكل ما يفعل به.

ثم يقال: الأمور مع هذا نوعان:

أحدهما: أن يفعل به بغير اختياره، كما يحمل الإنسان ولا يمكنه الامتناع. وكما تضجع المرأة قهرا وتوطأ. فهذا لا إثم فيه باتّفاق العلماء.

وأمّا [في نسخة: وإما] أن يكره بالإكراه الشرعي حتى يفعل، فهذا أيضا معفو عنه في الأفعال عند الجمهور، وهو أصحّ الروايتين عن أحمد لقوله تعالى: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:33] .

وأمّا إذا لم يكره الإكراه الشرعي فاستسلامه للفعل المطلق الذي لا يعرف أخير هو أم شر؟ ليس هو مأمورا به، وإن جرى على يده خرق عادة، أو لم يجر، فليس هو مأمورا أن يفعل إلا ما هو خير عند الله ورسوله.

قيل: هذا السؤال صحيح، وحقيقة الأمر: أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام فيحسن قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لربهم، وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح، إذا استعملوا في أمر وهم [في نسخة: أمورهم] لا يعرفون حكمه في الشرع رجوا أن يكون خيرا، لأن معرفتهم بحكمه قد تتعذر [في نسخة: تعذرت] عليهم، والإنسان غير عالم في كل حال بما هو الأصلح له في دينه، وبما هو أرضى لله [في نسخة: رضا الله] ورسوله. فيبقى حالهم حال المستخير لله فيما لم يعلم عاقبته، إذا قال: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عنّي واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به» [البخاري (1109) ] .

فإذا استخار الله كان ما شرح له صدره وتيسّر له من الأمور هو الذي اختاره الله له، إذ لم يكن معه دليل شرعيّ على أن عين هذا الفعل هو مأمور به في هذه الحال، فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر مطلق عام، لا بعين كل فعل من كل فاعل، إذ كان هذا ممتنعا، وإن كان ذلك المعين يمكن إدراجه تحت بعض خطاب الشارع العام، إذا كانت الأفراد المعينة داخلة تحت الأمر العام الكليّ، لكن لا يقدر كل أحد على استحضار هذا، ولا على استحضار أنواع الخطاب.

ولهذا كان الفقهاء يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك عليهم.

ثم القياس أيضا قد لا يحصل في كل واقعة، فقد يخفى على الأئمة المجتهدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، دخول الواقعة المعيّنة تحت خطاب عامّ، أو اعتبارها بنظير لها، فلا يعرف -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت