فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 291

-لها أصل، ولا نظير. هذا مع كثرة نظرهم في خطاب الشارع ومعرفة معانيه، ودلالته على الأحكام، فكيف من لم يكن كذلك؟!.

ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال والحرام، بل مقصوده: أن هذا الفعل المعيّن خير من هذا، وهذا خير من هذا، وأيّهما أحبّ إلى الله في حقّه في تلك الحال، وهذا باب واسع لا يحيط به إلا الله، ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ينهى عنه غيره، ويؤمر في حال بما ينهى عنه في حال آخر [في نسخة: في أخرى] .

فقالوا: نحن نفعل الخير بحسب الإمكان، وهو فعل ما علمنا أنّا أمرنا به، ونترك أصل الشّرّ، وهو هوى النفس، ونلجأ إلى الله فيما سوى ذلك، أن يوفقنا لما هو أحبّ إليه وأرضى له، فما استعملنا فيه رجونا أن يكون من هذا الباب، ثم إن أصبنا فلنا أجران، وإلاّ فلنا أجر (واحد) ، وخطؤنا محطوط عنّا، فهذا هذا.

وحينئذ فمن قدّر أنه علم المشروع وفعله فهو أفضل من هذا، ولكن كثير ممّن يعلم المشروع لا يفعله ولا يقصد أحب الأمور إلى الله، وكثير منهم يفعله بشوب من الهوى، فيبقى هذا فعل المشروع بهوى، وهذا ترك [في نسخة: يترك] ما لم يعلم أنه مشروع بلا هوى. فهذا نقص في العلم، وذاك نقص في العمل؛ إذ العمل بهوى النفس نقص في العمل، ولو كان المفعول واجبا. فيقال: إن تاب صاحب الهوى من هواه كان أرفع بعلمه، وإن لم يتب فله نصيب من عالم السوء، ولهذا تشاجر رجلان من المتقدمين عام الحكمين في مثل هذا، فقال أحدهما لصاحبه: إنّما مثلك مثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] . وقال الآخر: أنت كالحمار يَحْمِلُ أَسْفارًا [الجمعة:5] . فهذا أحسن قصدا وأقوى علما.

ولهذا تجد أصحاب حسن القصد إنما يعيبون على هؤلاء: اتّباع الهوى وحب الدنيا والرئاسة. وأهل العلم يعيبون على أولئك: نقص علمهم بالشرع، وعدولهم عن الأمر والنهي. فهذا هذا.

والله تعالى (هو) المسؤول أن يهدينا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وقد قال بعض أهل الفقه والزهد: من الناس من سلك الشريعة، ومنهم من سلك الحقيقة. ولعله أراد هؤلاء وهؤلاء؛ فإن هؤلاء يرجّحون بما ييسره الله مع حسن القصد واتّباع الأمر والنهي المعلوم لهم مع خفاء الأدلة الشرعية في ذلك المتيسر لهم، وهؤلاء يرجحون بالأدلة الشرعية من الظواهر والأقيسة، وأخبار الآحاد وأقوال العلماء مع خفاء الأمر المتيسر لهم.

وأيضا فهؤلاء قد يشهدون ما في ذلك الفعل المقدور [في نسخة: المقدر] من المصلحة والخير، فيرجّحونه بحكم الإيمان، وإن لم يعرفوا دليلا من النص على حسنه، وأولئك إنما يرجحون من النصوص [في نسخة: بالنصوص] ، وما استنبط منها. فهؤلاء لهم القرآن، وهؤلاء لهم الإيمان. وسبب هذا: أنّ كلا من الطائفتين خفي عليه ما مع الأخرى من الحق، وكل من الطائفتين في طريقها حقّ وباطل. -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت