-فأما المدّعون للحقيقة بدون مراعاة الأمر والنهي الشرعيين، فهم ضالّون كالذين يعرفون الأمر والنهي ولا يفعلون إلا ما يهوونه من الكبائر، فإنهم فسّاق، وهؤلاء الذين قيل فيهم: «احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون» .
والحقيقة: قد تكون قدرية، وقد تكون ذوقية، وقد تكون شرعية، ولفظ الشرع يتناول المنزّل والمؤوّل والمبدّل [في نسخة: المبدّل والمؤوّل والمنزّل] .
والمقصود هنا: ذكر أهل الاستقامة من الطائفتين، والكلام على حال أهل العبادة والإرادة، الذين خرجوا عن الهوى، وهو الفرق الطبعي، وقاموا بما عملوه [في نسخة: علموه] من الفرق الشرعي.
وبقي قسم ثالث ليس لهم فيه فرق طبعي، ولا عندهم فيه فرق شرعي، فهو الذي جروا فيه مع الفعل والقدر.
وأما من جرى مع الفرق الطبعي: إما عالما بأنه عاص وهو العالم الفاجر، أو محتجّا بالقدر، أو بذوقه ووجده، معرضا عن الكتاب والسنة، وهو العابد الجاهل. فهذا خارج عن الصراط المستقيم. وهذا ممّا بيّن كمال حال [في نسخة: حال كمال] الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم خير قرون هذه الأمة، إذ كانوا في خلافة النبوة يقومون بالفروق الشرعية في جليل الأمور ودقيقها مع اتساع الأمر، والواحد من المتأخرين قد يعجز عن معرفة الفروق الشرعية فيما يخصّه، كما أنّ الواحد من هؤلاء يتّبع هواه في أمر قليل. فأولئك مع عظيم ما دخلوا فيه من الأمر والنهي لهم العلم الذي يميّزون به بين الحسنات والسيئات، ولهم القصد الحسن الذي يفعلون به [في نسخة: فيه] الحسنات، والكثير من المتأخرين العالمين والعابدين يفوت أحدهم العلم في كثير من الحسنات والسيئات، حتّى يظنّ السيئة حسنة وبالعكس، أو يفوته القصد في كثير من الأعمال، حتى يتبع هواه فيما وضح له من الأمر والنهي.
فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
هذا لعمري إذا كان عند العالم ما هو أمر الشارع ونهيه حقيقة، وعند العابد حسن القصد، الخالي عن الهوى حقيقة، فأما من خلط الشرع المنزّل بالمبدّل والمؤوّل، وخلّط القصد الحسن باتباع الهوى، فهؤلاء وهؤلاء مخلّطون في علمهم وعملهم، وتخليط هؤلاء في العلم سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في القصد، وتخليط هؤلاء في القصد سوى تخليطهم وتخليط غيرهم في العلم؛ فإنه من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم.
وحسن القصد من أعون الأشياء على نيل العلم ودركه.
والعلم الشرعيّ من أعون الأشياء على حسن القصد والعلم [في نسخة: والعمل] الصالح، فإن العلم قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإن ونى [أي: ضعف] قائدها لم تستقم لسائقها، وإن ونى سائقها لم تستقم لقائدها، فإذا ضعف العلم حار السالك ولم يدر أين يسلك، فغايته أن يستطرح -