-للقدر، وإذا ترك العمل حار السالك عن الطريق فسلك غيره مع علمه أنه تركه. فهذا حائر لا يدري أين يسلك مع كثرة سيره، وهذا حائد [في نسخة: حائر. خطأ] عن الطريق زائغ عنه مع علمه به.
قال تعالى: {فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5] . هذا جاهل وهذا ظالم.
قال تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] . مع أن الجهل والظلم متقاربان، لكن الجاهل لا يدرى أنه ظالم، والظالم جهل الحقيقة المانعة له من العلم.
قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء:17] .
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلم؟ فقالوا (لي) : كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب.
وقد روى الخلاّل عن أبي حيّان التيمي قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالما بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالما بالله، وعالم بالله وبأمر الله. فالعالم بالله الذي يخشاه، والعالم بأمر الله الذي يعرف أمره ونهيه.
قلت: والخشية تمنع اتباع الهوى. قال تعالى: {وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوى} [النازعات:40 - 41] .
والكمال في عدم الهوى، وفي العلم، (وذلك) هو لخاتم الرسل صلّى الله عليه وسلم الذي قال فيه: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى} [النجم:1 - 4] . فنفى عنه الضلال والغي، ووصفه بأنه: لا[في نسخة: {ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى} ، فنفى الهوى وأثبت العلم الكامل، وهو الوحي. فهذا كمال العلم، وذاك كمال القصد.
ووصف أعداءه بضدّ هذين، فقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى} [النجم:23] .
فالكمال المطلق للإنسان، هو: تكميل العبودية لله علما وقصدا.
قال تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] . وقال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ} [الجن:19] .
وقال تعالى فيما حكاه عن إبليس: {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:82 - 83] . وقال تعالى: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} [الحجر:42 والإسراء:65] . وقال تعالى: {كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] . وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِيْنَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِيْنَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل:99 - 100] .
وعبادته (تعالى: هي) طاعة أمره، وأمره لنا: ما بلغه الرسول عنه، فالكمال في كمال طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا، ومن كان لم يعرف ما أمر الله به، فترك هواه، واستسلم للقدر، أو اجتهد في