= الطاعة، فأخطأ فعل المأمور به إلى ما اعتقده مأمورا به، أو تعارضت عنده الأدلة فتوقّف عمّا هو طاعة في نفس الأمر، فهؤلاء مطيعون لله مثابون على ما أحسنوه من القصد لله، واستفرغوه من وسعهم في طاعة الله، وما عجزوا عن [في نسخة: من] علمه فأخطؤوه إلى غيره فمغفور لهم.
وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة، فإن أقواما يقولون ويفعلون أمورا هم مجتهدون فيها، وقد أخطؤوا، فتبلغ أقواما يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب، أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ، وهم أيضا مجتهدون مخطئون. فيكون هذا مجتهدا مخطئا في فعله، وهذا مجتهدا مخطئا في إنكاره، والكلّ مغفور لهم. وقد يكون أحدهما مذنبا، كما قد يكونان جميعا مذنبين.
وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمّد صلّى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
والواحد من هؤلاء قد يعطى طرفا [في نسخة: تصرفا] بالأمر والنهي، فيولي ويعزل، ويعطي ويمنع، فيظن الظّانّ أن هذا كمال، وإنما يكون كمالا إذا كان موافقا للأمر، فيكون طاعة لله، وإلا فهو من جنس الملك، وأفعال الملك: إمّا ذنب، وإمّا عفو، وإما طاعة.
فالخلفاء الراشدون أفعالهم طاعة وعبادة، وهم أتباع العبد الرسول (صلّى الله عليه وسلم) ، وهي طريقة [في نسخة: طريق] السابقين المقربين.
وأما طريقة [في نسخة: طريق] الملوك العادلين: فإما طاعة، وإما عفو، وهي طريقة الأنبياء الملوك، وطريقة الأبرار أصحاب اليمين.
وأما طريقة الملوك الظالمين: فتتضمن المعاصي، وهي طريقة الظالمين لأنفسهم. قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِيْنَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32] . فلا يخرج الواحد من المؤمنين عن أن يكون من أحد هذه الأصناف: إما ظالم لنفسه، وإما مقتصد، وإما سابق بالخيرات.
وخوارق العادات: إما مكاشفة، وهي من جنس العلم الخارق. وإما تصرّف، وهي من جنس القدرة الخارقة، وأصحابها لا يخرجون عن الأقسام الثلاثة.
فصل: وقد تفرّق الناس في هذا المقام الذي هو غاية مطالب العباد، فطائفة من الفلاسفة ونحوهم يظنّون أنّ كمال النفس في مجرّد العلم ويجعلون العلم الذي به يكمل ما يعرفونه هم من علم ما بعد الطبيعة، ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق النفس حتّى تستعدّ للعلم فتصير النفس عالما معقولا موازيا للعالم الموجود، وهؤلاء ضالّون بل كافرون من وجوه:
منها: أنهم اعتقدوا الكمال في مجرد العلم، كما اعتقد جهم، والصالحي، والأشعري في المشهور من قوله، وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم.
لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله وأولئك يجعلون كمال النفس أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود، والمطلق بشرط الإطلاق إنما يكون في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا في الخارج إلا معينا، وإن علموا الوجود