في ظلمة اللّيل حتّى إذا بلغت الظّلمة غايتها وطلع الفجر وجاء النّهار بضوئه طلبت ذلك وأردته وسكتّ عنه وكرهته، فإن طلبت إعادة اللّيل حينئذ لم تجب دعوتك ولم تعطه لأنّك طلبت الشّيء في غير حينه ووقته فتبقى حسيرا منقطعا متسخّطا خجلا، فأرّخ هذا كلّه والزم الموافقة وحسّن الظّنّ بربّك عزّ وجلّ والصّبر الجميل، فما كان لك لا تسلبه، وما ليس لك لا تعطاه.
لعمري إنّك تدعو وتبتهل إلى ربّك عزّ وجلّ بالدّعاء والتّضرّع وهو عبادة وطاعة امتثالا لأمره عزّ وجلّ في قوله تعالى: {اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] . وقوله تعالى: {وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32] ، وغير ذلك من الآيات والأخبار، أنت تدعو وهو يستجيب لك عند حينه وأجله إذا أراد وكان لك في ذلك مصلحة في دنياك وأخراك ويوافق في ذلك قضاءه وانتهاء أجله، لا تتّهمه في تأخير الإجابة ولا تسأم من دعائه، فإنّك إن لم تربح لم تخسر، وإن لم يحبّك عاجلا أثابك آجلا، فقد جاء في الحديث الصّحيح عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «العبد يرى في صحائفه حسنات يوم القيامة لا يعرفها، فيقال له: إنّها بدل سؤالك في الدّنيا الّذي لم يقدّر قضاؤه فيها» (1) أو كما ورد.
ثمّ أقلّ أحوالك أنّك تكون ذاكرا لربّك عزّ وجلّ موحّدا له حيث تسأله ولا تسأل أحدا
1)سيأتي في المقالة (66) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1419) : قال أبو عثمان النهدي، عن سلمان: يعطى الرّجل صحيفته يوم القيامة فيقرأ أعلاها فإذا سيّئاته كادت تسوء ظنّه، نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثمّ نظر إلى أعلاها فإذا هي قد بدّلت حسنات. وروي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح.
ورواه أبو نعيم في الحلية (9/ 11) عن أحمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن محمد بن سلم، ورواه البيهقي في شعب الإيمان (6738) عن أبي محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، عن أبي بكر عمر بن محمد صاحب الكتاني، عن أبي عثمان الكرخي، كلاهما عن عبد الرحمن بن عمر رستة قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لو لا أني أكره أن يعصى الله لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع واغتابني، وأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها.
وانظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي عقب رقم (678) .