غيره، ولا تترك حاجتك لغيره تعالى، فأنت بين الحالتين في زمانك (1) كلّه ليلك ونهارك وصحّتك وسقمك وبؤسك ونعمائك وشدّتك ورخائك، إمّا أن تمسك عن السّؤال وترضى بالقضاء وتوافق وتسترسل لفعله عزّ وجلّ، كالميت بين يدي الغاسل، والطّفل الرّضيع في يدي الظّئر، والكرة بين يدي الفارس يقلّبها بصولجانه، فيقلّبك القدر كيف يشاء، إن كان النّعماء فمنك الشّكر والثّناء ومنه عزّ وجلّ المزيد في العطاء، كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] . وإن كان البأساء فالصّبر والموافقة منك بتوفيقه والتّثبّت والنّصرة والصّلاة والرّحمة منه عزّ وجلّ بفضله وكرمه، كما قال عزّ من قائل: إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ [البقرة:153 والأنفال:46] بنصره وتثبيته، وهو لعبده ناصر له على نفسه وهواه وشيطانه.
وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} [محمد:7] . إذا نصرت الله في مخالفة نفسك وهواك بترك الاعتراض عليه والسّخط بفعله فيك وكنت خصما لله على نفسك سيّاقا عليها كلّما تحرّكت بكفرها وشركها حززت رأسها بصبرك وموافقتك لربّك والطّمأنينة إلى فعله ووعده والرّضا بهما كان عزّ وجلّ لك معينا.
وأمّا الصّلاة والرّحمة، فقوله عزّ وجلّ: {وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (155) الَّذِيْنَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155 - 157] .
والحالة الأخرى: أنّك تبتهل إلى ربّك عزّ وجلّ بالدّعاء والتّضرّع إعظاما له وامتثالا لأمره، وفيه وضع الشّيء في موضعه، لأنّه ندبك إلى سؤاله والرّجوع إليه، وجعل ذلك مستراحا ورسولا منك إليه، وموصلة ووسيلة لديه بشرط ترك التّهمة والسّخط عليه عند تأخير الإجابة (2) إلى حينها.
اعتبر ما بين الحالتين ولا تكن ممّن تجاوز عن حدّيهما فإنّه ليس هناك حالة أخرى،
1)في نسخة: (زمان) .
2)في المطبوع: (إجابة) .