ثمّ على أيّ شيء تحسده يا مسكين؟! أعلى قسمه، أم على قسمك؟.
فإن حسدته على قسمه الّذي قسمه الله له في قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} [الزخرف:32] ، فقد ظلمته، رجل يتقلّب في نعمة مولاه الّتي تفضّل بها عليه وقدّرها له ولم يجعل لأحد فيها حظّا ولا نصيبا. فمن يكون أظلم وأبخل وأرعن وأنقص عقلا منك؟.
وإن حسدته على قسمك فقد جهلت غاية الجهل، فإنّ قسمك لا يعطى غيرك ولا ينتقل منك إليه، حاشا لله. قال الله عزّ وجلّ: {ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق:29] .
إنّ الله عزّ وجلّ لا يظلمك فيأخذ ما قسم وقدّر لك غيرك، فهذا جهل منك وظلم لأخيك.
ثمّ حسدك للأرض الّتي هي معدن الكنوز والذّخائر من أنواع الذّهب والفضّة والجواهر ممّا جمعته الملوك المتقدّمة من عاد وثمود وكسرى وقيصر أولى من حسدك لجارك المؤمن أو الفاجر، فإنّ ما في بيته لا يكون جزءا من أجزاء ألف ألف جزء ممّا هناك، فما حسدك لجارك إلاّ كمثل رجل رأى ملكا مع سلطانه وجنوده وحشمه وملكه على أراضي جباته (1) خراجها وارتفاعها لديه وتنعّمه بأنواع النّعم واللّذّات والشّهوات فلم يحسده على ذلك.
ثمّ رأى كلبا يخدم كلبا من كلاب ذلك الملك يقوم ويقعد ويصيح فيعطى من مطبخ الملك بقايا الطّعام ورداءته فيتقوّت به، (فأخذ يحسده ويعاديه ويتمنّى موته وهلاكه وكونه مكانه) ، وأن يخلفه (2) في ذلك خسّة ودناءة لا زهدا ودينا وقناعة، فهل يكون في الزّمان رجل أحمق منه وأرعن وأجهل؟.
ثمّ لو علمت يا مسكين ما سيلقى جارك غدا من طول الحساب يوم القيامة إن لم يكن
-ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (2/ 227) من طريق الحسن بن موسى الأشيب، عن أبي هلال، عن قتادة، عن أنس.
ورواه القضاعي (1048) والذهبي في ميزان الاعتدال (6217) من طريق عمر بن محمد بن حفصة الخطيب، محمد بن معاذ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه. وقال الذهبي: هذا بهذا الإسناد باطل.
1)تحرف في المطبوع إلى: (وعلى أراضي واجباته) .
2)تحرف في نسخة: (يخلفه) .