وذلك: أنّ المؤمن إذا أراد الله عزّ وجلّ اصطفاءه واجتباءه، سلك به الأحوال وامتحنه بأنواع المحن والبلايا فيفقره بعد الغنى، ويضطّره إلى مسألة الخلق في الرّزق عند سدّ جهاته عليه، ثمّ يصونه عن (1) مسألتهم ويضطّرّه إلى القرض منهم، ثمّ يصونه عن القرض ويضطّرّه إلى الكسب ويسهّله (عليه، وييسّره) له فيأكل بالكّسب الّذي هو السّنّة، ثمّ يعسّره عليه ويلهمه السّؤال للخلق، ويأمره به بأمر باطن يعلمه ويعرفه ويجعل عبادته فيه ومعصيته في
-ورواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (2/ 382) عن ابن صبيح، عن عامر بن أسيد، عن محمد البزار، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام مرفوعا.
وذكره الديلمي في الفردوس (8070) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه ابن أبي شيبة (29273) عن عمرو بن مرة مرسلا.
ورواه ابن المبارك في الزهد (929) وعبد الرزاق (3199 و4057) والإمام أحمد في الزهد (502) وابن أبي شيبة (29271) والبيهقي في الشعب (574) من قول مالك بن الحارث.
ورواه أبو نعيم في الحلية (5/ 213) عن محمد بن أحمد بن إبراهيم من كتابه، عن موسى بن إسحاق، عن عبد الله بن عوف، عن الفرج بن فضالة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان: أن داود النبي عليه السلام قال: إن الله تعالى يقول: لأعطين المتشاغلين بذكري أفضل ما أعطي السائلين.
وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين (2/ 204 - 205) : إن الرضا عن الله إنما يتحقق بهذه الأمور الثلاثة: «استواء الحالات عند العبد، وسقوط الخصومة مع الخلق، والخلاص من المسألة والإلحاح» ، فإن الراضي الموافق تستوي عنده الحالات من النعمة والبلية في رضاه بحسن اختيار الله له. وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإن هذا خلاف الطبع البشري بل خلاف الطبع الحيواني. وليس المراد أيضا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية، فإن هذا مناف للعبودية من كل وجه، وإنما تستوى النعمة والبلية عنده في الرضا بهما لوجوه: ومنها (2/ 217) : أن العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات، لم يتخير عليه المسائل، وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك، وجعل ذكره في محل سؤاله، بل يكون من سؤاله له الإعانة على ذكره، وبلوغ رضاه. فهذا يعطى أفضل ما يعطاه سائل، كما جاء في الحديث: «من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» . فإن السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه. والراضون رضوا عنه، فأعطاهم رضاه عنهم، ولا يمنع الرضا سؤاله أسباب الرضا، بل أصحابه ملحّون في سؤاله ذلك.
وانظر الأربعين في أصول الدين للغزالي رقم (28) بتحقيقي).
1)في المطبوع: (من) .