تركه، ليزول بذلك هواه وتنكس نفسه وهي حالة الرّياضة، فيكون سؤاله على وجه الإجبار لا على وجه الشّرك بالجبّار، ثمّ يصونه عن ذلك ويأمره بالقرض منهم أمرا جزما لا يمكنه تركه كالسّؤال من قبل، ثمّ ينقله من ذلك ويقطعه عن الخلق ومعاملتهم، فيجعل رزقه في السّؤال له عزّ وجلّ فيسأله جميع ما يحتاج إليه فيعطيه عزّ وجلّ ولا يقطعه إن سكت وأعرض عن السّؤال، ثمّ ينقله من السّؤال باللّسان إلى السّؤال بالقلب فيسأله بقلبه جميع ما يحتاج فيعطيه حتّى إنّه لو سأله بلسانه لم يعطه أو سأل الخلق لم يعطوه، يغنيه عنه وعن السّؤال جملة ظاهرا وباطنا، فيناديه بجميع ما يصلحه ويقوم به أوده من المأكول والمشروب والملبوس وجميع مصالح البشر من غير أن يكون هو فيها أو تخطر بباله، فيتولاّه عزّ وجلّ، وهو قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ} [الأعراف:196] .
فيتحقّق حينئذ قوله عزّ وجلّ: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين» .
وهي حالة الفناء الّتي هي غاية أحوال الأولياء والأبدال، ثمّ قد يرد إليه التّكوين فيكون جميع ما يحتاج إليه بإذن الله، وهو قوله جلّ وعلا في بعض الكتب (1) : «يا ابن آدم، أنا الله الّذي لا إله إلاّ أنا، أقول للشّيء: كن، فيكون. أطعني أجعلك تقول للشّيء: كن، فيكون» (2) .
1)في المطبوع: (كتبه) .
2)لم أجده، ومرّ في هذا الكتاب (المقالة 13 و16) .