-أعمالهم: فليجتهدوا في التوبة من المعاصي والإصلاح في المستقبل، فإن هذا الأمر ينفعهم، وهو مقدور لهم بمعونة الله لهم.
وفي صحيح مسلم [2664] عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز [في نسخة: تعجزن] . وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان» . أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بحرص العبد على ما ينفعه، والاستعانة بالله، ونهاه عن العجز، وأنفع ما للعبد طاعة الله ورسوله، وهي عبادة الله تعالى. وهذان الأصلان هما حقيقة قوله تعالى: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ. ونهاه عن العجز: وهو الإضاعة والتفريط والتواني، كما قال في الحديث الآخر: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله الأماني» . رواه الترمذي [2577] .
وفي سنن أبي داود [3627] : أن رجلين تحاكما إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما، فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» . فالكيس ضد العجز. وفي الحديث: «كل شىء بقدر حتى العجز والكيس» . رواه مسلم [2655] . وليس المراد بالعجز في كلام النبي صلّى الله عليه وسلم ما يضادّ القدرة، فإن من لا قدرة له بحال لا يلام، ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال. ثم لمّا أمره بالاجتهاد والاستعانة بالله، ونهاه عن العجز. أمره إذا غلبه أمر أن ينظر إلى القدر، ويقول: «قدّر الله وما شاء فعل» . ولا يتحسّر ويتلهّف ويحزن، ويقول: «لو أني فعلت كذا وكذا، لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
وقد قال بعض الناس في هذا المعنى: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، وأمر لا حيلة فيه. فما فيه حيلة: لا يعجز [في نسخة: تعجز] عنه، وما لا حيلة فيه: لا يجزع [في نسخة: تجزع] منه. وهذا هو الذي يذكره أئمة الدين، كما ذكر الشيخ عبد القادر وغيره. فإنه لا بدّ من فعل المأمور، وترك المحظور، والرضا والصبر على المقدور. وقد قال تعالى حكاية عن يوسف [عليه السلام] : {أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] . فالتقوى تتضمّن: فعل المأمور، وترك المحظور. والصبر يتضمّن: الصبر على المقدور. وقد قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبالًا إلى قوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:118 - 120] . فبيّن سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضرّ المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين.
وقال تعالى: {بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران:125] . فبيّن أنه مع الصبر والتقوى يمدّهم بالملائكة، وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم [في نسخة: يقاتلوهم] .
وقال تعالى: * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ -