فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 291

-قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِيْنَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] . فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين وأهل الكتاب لا بدّ أن يؤذوهم بألسنتهم، وأخبر أنهم إن يصبروا ويتّقوا، فإن ذلك من عزم الأمور.

فالصبر والتقوى: يدفع شرّ العدو المظهر للعداوة، المؤذين بألسنتهم والمؤذين [في نسخة: المؤذون بألسنتهم والمؤذون] بأيديهم، وشرّ العدو المبطن للعداوة، وهم المنافقون. وهذا الذي كان خلق النبي صلّى الله عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور.

فأمّا من أراد ما يحبّه الله تارة، وما لا يحبّه تارة، أو لم يرد لا هذا ولا هذا، فكلاهما دون خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وإن لم يكن على واحد منهما إثم، كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة، والغضب، والانتقام المباح، كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين، فهو وإن كان جائزا لا إثم فيه، فخلق رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكمل منه.

وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة، وإن كان يستعان بها على أمر مستحب، ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو، وإن كان الانتقام لله أرضى لله، كما هو أيضا خلق بعض الأنبياء والصالحين. فهذا وإن كان جائزا لا إثم فيه، فخلق رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكمل منه.

وهذا والذي قبله إذا كان شريعة لنبيّ، فلا عيب على نبي فيما شرع الله له. لكن قد فضّل الله بعض النبيين على بعض، وفضّل بعض الرسل على بعض. والشريعة التي بعث الله بها محمدا [في نسخة: محمد] صلّى الله عليه وسلم أفضل الشرائع؛ إذ كان محمد صلّى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، وأمّته خير أمّة أخرجت للناس. قال أبو هريرة في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} [آل عمران:110] : كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتّى تدخلوهم الجنة، يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس، فهم خير الأمم للخلق. والخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

وأمّا غير الأنبياء: فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتّباعه لذلك النبي، وأما من كان من أهل شريعة محمد صلّى الله عليه وسلم ومنهاجه، فإن كان ما تركه واجبا عليه وما فعله محرّما عليه كان مستحقا للذّمّ والعقاب، إلا أن يكون متأوّلا مخطئا، فالله قد وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، وذنب أحدهم قد يعفو الله عنه بأسباب متعددة. ومن أسباب هذا الانحراف: أن من الناس من تغلب عليه طريقة الزهد في إرادة نفسه، فيزهد في موجب الشهوة والغضب، كما يفعل ذلك من يفعله من عبّاد المشركين وأهل الكتاب، كالرهبان وأشباههم، وهؤلاء يرون الجهاد نقصا لما فيه من قتل النفوس وسبي الذريّة وأخذ الأموال، ويرون أن الله لم يجعل عمارة بيت المقدس على يد داود، لأنه جرى على يديه سفك الدماء. ومنهم من لا يرى ذبح شيء من الحيوان كما عليه البراهمة. ومنهم من لا يحرّم ذلك، لكنه هو يتقرّب إلى الله بأنه [في نسخة: بأن] لا يذبح حيوانا ولا يأكل لحمه، (بل) ولا ينكح النساء، ويقول مادحه [في نسخة: ويقول في ممادحه] : فلان ما نكح، ولا ذبح.

وقد أنكر النبي صلّى الله عليه وسلم على هؤلاء كما في الصحيحين (4776) وم (1401) ] عن أنس: أن نفرا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم عن عمله في السّرّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت