فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 291

-وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكنّي أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منّي» . وقد قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} [المائدة:87] . نزلت في عثمان بن مظعون وطائفة معه كانوا قد عزموا على التبتل، ونوع من الترهّب. وفي الصحيحين عن سعد قال: ردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.

والزهد النافع المشروع الذي يحبه الله ورسوله: هو الزهد فيما لا ينفع في الآخرة، فأمّا ما ينفع في الآخرة، وما يستعان به على ذلك، فالزهد فيه زهد في نوع من عبادة الله وطاعته، والزهد إنما يراد لأنه زهد فيما يضر، أو زهد فيما لا ينفع. فأما الزهد في النافع فجهل وضلال، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز [في نسخة: تعجزن] » . والنافع للعبد: هو عبادة الله، وطاعته، وطاعة رسوله. وكل ما صدّه عن ذلك فإنه ضارّ لا نافع. ثم الأنفع له: أن تكون كل أعماله عبادة لله وطاعة له، وإن أدّى الفرائض وفعل مباحا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ينفعه ولا يضره.

وكذلك الورع المشروع: هو الورع عمّا قد تخاف عاقبته، وهو ما يعلم تحريمه، وما يشك في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله. مثل (فعل) محرّم معيّن [في نسخة: يتعيّن] . مثل من يترك أخذ الشبهة ورعا مع حاجته إليها، ويأخذ بدل ذلك محرّما بيّنا تحريمه، أو يترك واجبا تركه أعظم فسادا من فعله مع الشبهة، كمن يكون على أبيه أو عليه ديون هو مطالب بها، وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة، فيتورّع عنها، ويدع ذمّته وذمّة في نسخة: أو ذمة] أبيه مرتهنة.

وكذلك من الورع: الاحتياط بفعل ما يشكّ في وجوبه، لكن على هذا الوجه.

وتمام الورع: أن يعمّ الإنسان خير الخيرين، وشرّ الشرّين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، فقد يدع واجبات ويفعل محرّمات، ويرى ذلك من الورع. كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة، ويرى ذلك ورعا. ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور، ويرى ذلك من الورع. ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيّة، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع.

وكذلك الزهد والرغبة: من لم يراع ما يحبه الله ورسوله من الرغبة والزهد، وما يكرهه من ذلك، وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرّمات. مثل: من يدع ما يحتاج إليه من الأكل، أو أكل الدسم، حتّى يفسد عقله أو تضعف قوته، عما يجب عليه من حقوق الله تعالى، أو حقوق [في نسخة: وحقوق] عباده، أو يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم، حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار، فلا ينظر المصلحة الراجحة في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت