قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل العلم، لأن قوله الآتي:
(وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال: إنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء، ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، وأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة وهم مغطون بثيابهم فَقَلَّ من يتفكر في السماء أو ينظر إليها.
ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء، في الليل من العجائب والأنوار الطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا يتحدث به إلا أحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرنا من غفلة الناس عنه وكان هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها فلم يتأهب غيرهم لها.
قال بعض أهل العلم: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرًا لقوم غائبًا عن قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم.
ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله، والحاصل إنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ، واستبعاد من استبعد، وفي الباب رسائل شتى للشيخ رفيع الدين الدهلوي رحمه الله وغيره.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن"أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما"، وروي عنه من طرق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهما وقال فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر) .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن"ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا".