فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 659

وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين وغيرهم قائلين إن الخطأ والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما فما معنى الدعاء بذلك فإنه من تحصيل الحاصل؟

وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط وعدم المبالاة لا من نفس النسيان والخطأ فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"وسيأتي تخريجه [1] .

وقيل إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته.

وقيل إنه وإن ثبت شرعًا أنه لا مؤاخذة بهما فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلًا.

وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمدًا وإنما يصدر عنهم خطأً أو نسيانًا فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذانًا بنزاهة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذون به فما منهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان.

قال القرطبي: وهذا لم يختلف فيه إن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديانات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا، وما كان مثله مما يقع خطأ أو نسيانًا، ويعرف ذلك في الفروع انتهى.

[1] وقد أخرج ابن ماجه وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"

وروي من طرق كثيرة وفي أسانيدها مقال ولكنها يقوّي بعضها بعضًا فلا يقصر عن رتبة الحسن لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت