فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 438

وقد اعتذر قوم منهم في هذا بأن قالوا: ما فعله الرسول من أخذ الفداء ممن أخذه، كان هو الصواب عند الله والأنظر للأمّة والأقوى والأصلح في باب الدّين، ولكن إنّما عاتبه لأنّه فعل الذي هو الأصلح والأولى من غير أن يأمر الله به، فلامه وعنّفه على ذلك لفعله قبل أمره، وإن كان لو أمره لم يأمره إلا بذلك بعينه.

قالوا: وعلى هذا نجد كثيرا من السّادة يلومون من تحت طاعتهم على فعل الأصلح والأصوب الذي لو أمروهم لم يأمروهم إلا به، لأجل فعلهم له بغير إذن منهم، وهذا الاعتذار غير مخلّص لهم مما ألزمناهم وإن كان ما فعله النبيّ هو الأنظر للدّين والمسلمين، لأنّه لا بدّ إذا لم يكن أمره به من أن يكون قد نهاه عنه، وحظره عليه في عقل أو سمع، أو لا يكون ناهيا له عنه، وإن كان ناهيا له عنه، فقد أخطأ واعتمد ترك الصواب، ومخالفة النهي، وهذا تصريح بالقدح فيه والطعن في عدالته وأمانته حاشاه من ذلك، وإن كان غير ناه له عنه ولا محرّم لفعله في عقل ولا سمع فلا عيب عليه ولا وجه لقوله: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى} وهو قد جعل له ذلك، وهذا ما لا مخرج لهم منه.

وقد احتجّ قوم بهذه الآية في إبطال الاجتهاد جملة، واحتجّ بها آخرون في إبطال اجتهاد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنّه لم يكن مأمورا بذلك، وهذا الاحتجاج باطل من قولهم، وذلك أنّه لا يخلو النبي صلّى الله عليه وسلّم من أن يكون اجتهد، أو لم يجتهد وإن كان لم يجتهد فلم يبطل الله اجتهادا له ولا لامه عليه ولا خطأه فيه، وإن كان قد اجتهد وحكم برأيه، فقد أقرّوا أنّه كان مجتهدا.

فإن قالوا: كان مأمورا بالاجتهاد فقد أبطلوا قولهم، وإن كان منهيّا عن ذلك، ومحظورا عليه الحكم به ففعل من هذا ما نهي عنه عاد بهم الأمر إلى الطعن على الرسول والقدح في أمانته والجرح لعدالته فبطل ما قالوه. ولو صحّ أنّ النّبيّ عليه السلام منهيّ عن الحكم بالاجتهاد، لم يدلّ ذلك على نهي الأمّة عن ذلك ومنعهم منه، وأنّ أكثر القائسين يقولون إنّه كان محظورا عليه الاجتهاد، وإن كان مفروضا على الأمّة لعلل قد ذكرناها في أصول الفقه بما يغني الناظر فيها وفي الاعتراض عليها.

وإذا كان ذلك كذلك بطل التعلّق بالآية في إبطال أمر النبيّ عليه السلام بالاجتهاد وأمر الأمة به ولو ثبت أنّ النبيّ عليه السلام أخطأ في اجتهاده في هذا الحكم - وحاشاه من ذلك - لم يوجب خطأه فيه أن يكون في الأصل منهيّا عن الاجتهاد، فهذا بعيد من المعتلّ به في إبطال القياس، ثم رجع بنا الكلام إلى تأويل الآية على وجه ينفي الخطأ والعصيان والعيب عن الرسول عليه السلام.

فإن قال الملحدون، أو بعض من ذكرناه من ضعفة المسلمين: فما معنى الآية عندكم؟ قيل لهم: يحتمل - والله أعلم - أن يكون أراد بقوله: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، أي: لم يكن ذلك لنبيّ من قبلك، وإنما خصصناك أنت بذلك تخفيفا عن الأمة التي بعثت إليها وتكرمة لذلك بتمييز قومك وأهل عصرك بتحليل العفو عنهم، وأخذ الفداء منهم، فكأنّه قال ما كان لنبيّ غيرك فحذف ذكر الغير وما يقوم مقامه لكونه مما يفهم ويعلم من حال الرسول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت