فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 438

ويحتمل أيضا أن يكون أراد ما كان لنبيّ أن يفعل ذلك، إذا كان الإثخان في القتل هو الأحوط في باب نصرة الدّين، والأصلح الأنظر للمسلمين، ولم يقل إنّ ذلك ليس لنبيّ على الإطلاق، ولكن بهذه الشريطة، لأنّ كلّ نبيّ مبعوث بما هو الأحوط للملّة في نظام أمر الشريعة، فكأنّه قال: ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى وأخذ فداء دون القتل، والقتل عنده أحظّ، وما فعلت من ذلك إلا الأحظّ الأصلح في باب الدين وهو أليق بالنبيّ صلّى الله عليه وغيره من النبيين، ويدلك على صحّة هذا التأويل أنّه قد يقوى المسلمين بأخذ الفداء، وأنّه قد أمّن عليه من أولئك الأسرى، وآمن خلق من نسلهم وولدوا أنصارا للدين والمسلمين، ولا يجوز عند كثير من الأمّة أن يأمر الله بقتل من في المعلوم أنّه إن بقّاه آمن وأسلم، ونسل أذكياء طاهرين، وأنصارا للدين والمؤمنين، حتى خلطوا وضاقوا ذرعا في جواب هذا السؤال لمّا طولبوا به.

فقالوا: كان الأصلح أن لا يقتل من أخذ منه الفداء، ولكن لم يجز للنبي عليه السلام أن يفعل هذا الأصلح الأصوب إلا بإذن الله، وحتى يكون هذا الذي يشرعه له ويأمره به، فيكون الأصلح للنبيّ أن لا يأخذ الفداء، وأن ينتهي عن أخذه حتى يأتيه أمر من الله عز وجل بذلك.

وهذا يؤول بهم إلى أنّ النبيّ عليه السلام قد كان فعل ما هو الأصلح الأصوب عند الله، ولكنّه فعله بغير أمره وتقدّم بذلك بين يديه، وهو لا يعلم ما الأصلح من ذلك عند الله، فإن كان قد نهاه عن أخذ الفداء بعقل أو سمع إلا بأن يأمره بأخذه، فأخذ بغير أمره فقد عصا واعتمد الخطأ وحاشاه من ذلك، وإن كان لم ينهه عنه فلا معنى لقولهم ليس له فعل ذلك حتى يأذن له فيه، ولغيرهم أن يقول لهم وليس له الامتناع من أخذه، وإن كان ذلك الأضرّ في باب الدين، حتى يحظر الله عليه فعل ذلك، حتى يكون هو النّاهي له عنه والمنزل فيه وحيا، وهذا جواب من قال منهم قد فعل الأصلح عنده من غير أن يأذن له فيه.

وقد تحتمل الآية أن يقولوا في جوابها وجواب هذه المطالبة، إنّما أراد في الجملة أنّه ليس لنبيّ أن يكون له أسرى، وإن كان ذلك هو الأصلح عند الله، إلا بأذن الله دون أمره، ولم يخبر الله أنّ رسوله فعل من ذلك شيئا بغير أمره، وإنّما ذكر هذه الجملة فقط، فكلّ هذا يبين صحّة التأويلين اللذين ذهبنا إليهما دون الحكم بتخطئة الرسول في نص أو اجتهاد.

فإن قالوا: فما معنى قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} قيل لهم: أراد بذلك - وهو أعلم - إنّ منكم من أخذ ذلك تعجّلا لعرض الدنيا، ولم يقصد به نصرة الدين والأحظّ للمؤمنين، وأنّه أخذه مع الغناء عنه، فإمّا أن تكون هذه صفة للرسول عليه السلام وأبي بكر وعلية المؤمنين الذين قالوا إنّ أخذه منهم فداء قوة للدين، ولعلّهم أن يؤمنوا فيكثروا المسلمين، فمعاذ الله أن يكون قصد من هذه سبيله ابتغاء عرض الدنيا، وأن يخلوا أمة وأهل عصر نبيّ وعسكر إمام وخليفة نبي وإمام من قوم تكون

الدنيا عندهم وتعجيل أعراضها آثر من ثواب الآخرة، ويكونون إليها أميل، والله سبحانه إنّما عاتب هذه الطبقة دون من عداها وهذا بيّن في سقوط ما قالوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت