تماما مثل أمور شكلية أخرى، كاللحية بالنسبة للرجال ولباسهم الإسلامي في ذلك الوقت، حيث نزلت الآيات القرآنية موافقة لمتطلبات العصر؛ وبناء عليه، توصلوا إلى أنه من غير المنطقي أن تكون العادات والتقاليد صالحة لكل زمان ومكان؛ وبالتالي من غير الطبيعي أيضا أن تكون الأحكام الدينية الاجتماعية واجبة وفرضا على كل مسلم ومسلمة في جميع الأزمنة والأمكنة؛ وخلصوا في النهاية إلى أن الحجاب الإسلامي لا يرتبط لا من قريب ولا من بعيد بذات الدين، ثم ذكروا بأن الخطاب الديني أشار إليه بوصفه ضرورة اجتماعية لا بوصفه ضرورة إيمانية؛ [1] وأوضحوا ذلك بقولهم أن مسائل الدين الذاتية هي الأمور التي يدعو إليها الأنبياء أينما بعثوا وفي أي مجتمع كانوا؛ وفي أي مرحلة من مراحل التاريخ تواجدوا؛ فهي أمور لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان، بينما أمور الدين العرضية هي التي تتوافق فيها الدعوة والنشر مع ظروف المجتمع وظروف الزمان والمكان والتاريخ والثقافة، ثم استرسلوا بعد ذلك قائلين بأن تفسير مفهوم الحجاب عند المدرسة الفقهية التقليدية التاريخية، هو تفسير اجتماعي تاريخي لا يتعلق بذات الدين؛ وأن هذه المدرسة وأنصارها يعتبرون الحجاب من الأحكام الاجتماعية، لكنهم مع ذلك لا يستطيعون تفسير عدم تغطية الأحكام الاجتماعية العرضية التي جاء بها القرآن الكريم كل مناحي الحياة على مر التاريخ؛ ومثلوا لذلك باختفاء التعدد وزواج المتعة وغيرها كثير مما لفظه المجتمع ولم يعد يقبل به؛ واستنكروا ما يقال من أن الحجاب يحفظ للمرأة كرامتها وإنسانيتها؛ وذلك لأن تجربة بعض المجتمعات كإيران والسعودية أثبتت غير ذلك، بحيث كان ذلك سببا في إهانة المرأة وفرض الوصاية عليها من المجتمع الذكوري. بعد ذلك ذكروا بأن كرامة المرأة وإنسانيتها جاءت به العلمانية (الليبرالية) ، التي فاقت كل الحضارات التي سبقتها، في جلب الكرامة والإنسانية للرجل والمرأة على السواء؛ في حين كانت الحضارات الغابرة بما فيها الحضارة الإسلامية، يشوبها نقص كبير في هذا المجال، وعليه فإن فرض الحجاب الذي عادة ما يترافق مع انعدام الحريات
(1) انظر جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي) ، ص: 27 - 37.