يزوجها أبوها اتفاقًا إلا من شذ كما تقدم، والثيب غير البالغ اختلف فيها فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها كما يزوج البكر. وقال الشافعيوأبو يوسف ومحمد: لا يزوجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره. والعلة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يزوجها أبوها وكذا غيره من الأولياء، واختلف في استئمارها، والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم". [1] وهو يعني بقوله:"إلا من شذ"في تزويج البكر الصغيرة"ابن شبرمة"الذي عدَّ ذلك الزواج من خصائصه صلَّى الله عليه وسلم. وقال ابن حزم (ت 456 ه) :"وللأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر - ما لم تبلغ - بغير إذنها، ولا خيار لها إذا بلغت، فإن كانت ثيبًا من زوج مات عنها أو طلَّقها لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها حتى تبلغ، ولا إذن لهما قبل أن تبلغ. وإذا بلغت البكر والثيب لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها إلا بإذنها، فإن وقع فهو مفسوخ أبدا." [2] وقال الشوكاني (ت 1250 ه) :"والمراد بالبكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة، إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة فإنها لا تدري ما الإذن". [3] "
فمنه تزويج أبي بكر ابنته عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وتزويج الزبير بن العوام رضي الله عنه ابنته لـ"قدامة بن مظعون"حين نفست بها أمها. [4] أما قضية تزويج عائشة في تلك السن فهناك من اعترض عليها فهي ليست محل إجماع؛ وأما تزويج بنت قدامة بن مظعون، فليس المراد منه الوطء وإنما العقد أو الوعد بالزواج، ومع ذلك فهي مسالة نادرة جدا والنادر لاحكم له، حيث إن القضية لا يقبلها العقل فهي مرفوضة جملة وتفصيلا.
ومن هنا استدل العلماء على جواز تجويز الصغيرة بدون إذن منها.
(1) ابن حجر، فتح الباري،"ع. س"، 11/ 456.
(2) أبو محمد علي بن حزم، المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار، تحقيق: حسان عبد المنان،، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص: 1600.
(3) محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، تحقيق: طارق بن عوض الله، عدد المجلدات: 12، ط 1، (الرياض: دار ابن القيم، 1426 ه- 2005 م) ، 7/ 569.
(4) رواه سعيد بن منصور (1/ 175) وابن أبي شيبة في"مصنفه" (4/ 345) عن هشام بن عروة عن أبيه.