كما يتبين لنا هنا أيضا بأن العولمة حاضرة في كل شيء، بل هي الشرطي الذي يعطينا إشارة المرور، بحيث أنها اقتحمت علينا جميع الميادين، فكيف يتسنى لجمعياتنا الإسلامية العمل إذن خارج إطارها؟ بل كيف لنا أن نتحرر من هذا الاستعمار الذكي الذي استحوذ بطرقه الحديثة ووسائله الإلكترونية على عقول الأغلبية إلا من رحم الله؟ وهو ما سنحاول الإجابة عنه في الخاتمة التي ستتضمن التوصيات. بهذه الأسئلة وغيرها أختم هذا المبحث؛ وتبقى كل مباحث هذه الرسالة مفتوحة لمزيد من البحث العلمي والتنقيب عن الحق.
إننا من خلال هذه الدراسة نخلص إلى استحالة المساواة المطلقة التي ينادى بها اليوم، لأنه لا بد من التغاير بين الأشياء؛ ولذلك قيدت المساواة التي سعت إليها الشريعة الإسلامية بأحوال يجري فيها التساوي، حيث إن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق، ما يؤثر تمايزا بين أصحابه متقاربا أو متباعدا في آثار تلك الصفات؛ وذلك بترقب المنافع منهم وتوقع المضار؛ الشيء الذي يؤدي حتما إلى تفاوت معاملة الناس في مراتب الإكرام ومراتب ضده. ثم إن العوارض المانعة في المساواة أقسام: جبلية وشرعية؛ واجتماعية وسياسية؛ وكلها قد تكون دائمة أو مؤقتة، طويلة أو قصيرة. فالموانع الجبلية الدائمة مثلا، كمنع مساواة المرأة للرجل فيما لا تستطيعه بموجب الخلقة؛ مثل إمارة الجيش والخلافة عند جميع المسلمين؛ ومثل القضاء والإمامة وقتال العدو في مذاهب جمهور علماء الإسلام؛ ومثل مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الأبناء الصغار. ويلحق بالجبلي ماهو من آثار الجبلة، كمنع مساواة الرجل للمرأة في استحقاق الإنفاق؛ وذلك لما تقرر من كون الرجل هو المكتسب للعائلة؛ وهو من آثار جبلته المخولة له القدرة على طلب الاكتساب. [1]
(1) محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، ط 2، (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب) ، ص: 144 ـ 154. -بتصرف-