فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 359

لاشك أن تجربة المغرب، تختلف عن تجارب الدول المحيطة والقريبة منه في عدة نقاط، بحيث إنه تميز بنهج سياسة نخبوية انتهازية منذ فجر الاستقلال، حين استعمل التوظيف وتوزيع القطاع الاقتصادي العصري لمواجهة حزب الاستقلال آنذاك؛ وقد تطور الأمر بعد ذلك فأصبحت ممارسة السياسة في المغرب، تعادل الصناعة الثقيلة في بلدان أخرى. هذا؛ وقد تسببت الصعوبات التي واجهها النظام إبان السبعينات، بتكثيف تلك السياسة وجعلها نهجا اقتصاديا ذكيا، مكنها من دمج المعارضة الوطنية بأحزابها في اللعبة السياسية؛ وقلبها بدهاء لمؤسسات (إيديولوجية) تعمل لحسابه في مجال التأطير و (الأدلجة) ، بل استقطب العلماء بشكل مكثف في كل تلك المؤسسات، لبث وتكريس المرجعيات المقدسة للدولة، مما مكنها من لعب دور الوساطة بين المتنازعين من جهة؛ ومن جهة أخرى جعلها في موقف استراتيجي، في مواجهة خطر القوى الوطنية المعارضة، داخل الوطن وخارجه أيضا في العالم العربي، الذي كان يرزح بصفة عامة تحت قبضة الأنظمة العسكرية والحزب الوحيد [1] ؛ وتم حظر الحزب الوحيد من طرف الدستور المغربي منذ سنة 1963.

لقد تفطن المفكرون المغاربة فعلا، إلى المشكلات التي وقع فيها المغرب خلال عقود مضت من القرن العشرين؛ ولذلك تميزت سياستهم بالتأني والتفكير العقلاني في العواقب؛ وكانت كل التغيرات التي يبتغونها يسلكون لها السبيل السلمي والمتميز، كما سبق ورأينا من خلال المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء، في عهد الملك الحسن الثاني سنة 1975؛ والتي تميزت بتفردها على الصعيد العالمي. إن المغاربة طبعوا على عدم التسرع والانسياق وراء الأحداث الدامية؛ لذلك تميزوا في ثورات الربيع العربي بعدم التورط في ثورة قد تأكل الأخضر واليابس؛ ومن جهة أخرى

(1) انظر محمد البلغيثي، نموذج السياسة المخزنية في المغرب المعاصر، (مطبوع مودع بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال ـ الرباط) ، ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت