فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 359

فقد واكبوا الربيع العربي ولم يبتعدوا عنه، [1] بل تمعنوا في الأسباب التي أدت إلى انقداح الشرارة في المجتمعات العربية، فأبدعوا طريقا وسطا ساروا فيه، فسبقوا بذلك من نهج سبيل الثورة، في وضع الأسس الكفيلة بإحداث التغيير وجلب الإصلاح، متمثلة في الدستور الجديد، وما ترتب عليه من تغيير أدى إلى صعود الإسلاميين إلى رئاسة الحكومة. كل ذلك كان نتيجة لتفكير نقدي"لا يكتفي صاحبه بالتظاهر والصخب والإخلال بالأمن كما يقال؛ وإنما يشغله في المقام الأول التفسير العلمي لمشكلات المغرب الراهن." [2]

من هنا تميز المغاربة في تعاملهم مع الأحداث الجديدة بالإبداع لا بالتقليد؛ وقد كانت النتيجة تجديدا أنقذ الشعب المغربي من كارثة محققة، كان الجميع يتخوف منها؛ وقد اتضح ذلك أيضا في إنشاء غرفتين تشريعيتين في البرلمان، الذي زاوج بين ما هو أوروبي وما هو مغربي محض؛ فكانت النتيجة خطوات على طريق الإبداع السياسي تميز به المغرب؛ والسبب في ذلك تراكم التجارب التي مر منها البلد، حيث يقول الباحثون والمفكرون المغاربة، بأن المغرب بذل ما في وسعه دولة ومجتمعا، من أجل إنقاذ نفسه من قبضة الاستعمار، للإبقاء على الحال مثلما كان قبل المواجهة أيام دولة"الهيبة"، لا ليتبنى مفهوم الدولة الحديثة كما أخذت تسوق له الدول الغربية. لكن تجربته في كل ذلك باءت بالفشل، بحيث أن سياسته في اتباع طريقة"التجديد"في عملية الاندماج في العصر لم تتكلل بالنجاح آنذاك، لأنها لم تكن تناسب وتيرة تطور نظام العقليات في البلاد الذي كان ضعيفا؛ وليس ذلك لأن"التجديد"كان فارغا، بل لأن نجاحه كان يتطلب أن يسبقه الإبداع. فالكلام عن التجديد لا يستقيم علميا بدون أن يكون مسبوقا بالإبداع؛ ولذلك لابد للمجتمع الذي يبتغي التطور ويطمح إليه أن يبدع أولا، ثم بعد ذلك يجدد إبداعه، فيكون التجديد

(1) انظر"الخلفي تجنب الحديث عن مصير دفاتر التحملات"، مغارب كم، «العرب» الدوحة- محمد لشيب، (29 05 2012) ،"ع. س"

(2) إسماعيل الحسني، التجديد والنظرية النقدية، ط 1، (مراكش، المطبعة والوراقة الوطنية، 2005 م) ، ص 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت