تعرف في الفقه بهبة بنات القبائل وبعضهم يعدها من الإكراه. [1] هذه هي مكافأتهم للمرأة التي استطاعت بقدرة قادر أن تنجو من الموت، لكنهم لم يكونوا كلهم على وتيرة واحدة في هذا الأمر، فقد جعل الله في قلوب بعضهم رحمة كي يبقى الناس؛ ولولا ذلك لانقرض الجنس البشري من على وجه الأرض، فالوأد لم يكن معمولا به عند جميع القبائل، حيث إن قريشا لم يكن فيها ذلك البتة؛ وقد كان صعصعة بن ناجية جد الفرزدق من بني تميم يفتدي من يعلم أنه يريد وأد بنته من قومه بناقتين عشراوين وجمل. [2]
وهكذا يتبين لنا بأن أهم ما ميز العصر الجاهلي هو الوأد الجلي للمرأة؛ وذلك لأنهم كانوا يفعلونه علانية بإهالة التراب عليها وهي صغيرة؛ أما في العصر العلمي العالمي فإن المرأة توءد بطرق خفية: معنوية ومادية لا يفقهها إلا من رحم الله، تساق لها المسكينة طواعية وبرضاها؛ وذلك بإهالة أطنان من الشهوات والشبهات عليها طيلة عمرها. وعليه، فيمكننا القول بأن الألف واللام تعم كل موءودة قتلت في أي زمان ومكان؛ وبأي طريقة تفيد الوءد، سواء كانت جلية أو خفية؛ وذلك هو الشأن في قاعدة لفظ العام عند الأصوليين. [3]
إن ما يميز مجتمعاتنا الإسلامية خاصة هو التحرش بالمرأة في كل مكان؛ وهذا يظهر واضحا جليا في الشوارع وعلى أرصفة الطرقات، ناهيك عن ما يرتكب داخل البنايات العمومية والخاصة ووسط زحمة وسائل النقل العمومية والأسواق المزدحمة. وإن هذا الأمر في مرحلته الأولى التي تبدأ بالمعاكسة وإلقاء كلمات الإعجاب، يسعد المرأة ويسليها، إذ أنه يشعرها بجمالها وأنوثتها المثيرة؛ وتراها تفرح وتبتسم كلما كانت محط أنظار الرجال ومرتع كلماتهم المتغزلة في جسدها، لذلك تجدها تتجمل وتلبس أحلى ما عندها؛ وتبرز أكثر ما يمكن أن تجلب به تلك النظرات
(1) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ص: 145 - 146."ع. س"
(2) انظر الطاهر بن عاشور، ص: 146."ع. س"
(3) انظر محمد ابن المختار فال الشنقيطي، جواهر الدررفي نظم مبادئ أصول ابن باديس الأبر، ط 1، (بيروت: دار ابن حزم، 1426 هـ-2005 م) ، ص: 61.-62.