فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 359

هذه كانت قيمة المرأة قبل الإسلام؛ وليس لها من ذنب إلا ما تصوروه عنها في مخيلتهم الهمجية، بحيث إنهم كانوا يفعلون ذلك خشية إغارة العدو عليهم وسبي نساءهم؛ وخشية الإملاق في سنين الجدب [1] حيث إن الذكر يحتال للكسب بالإغارة وغيرها؛ والأنثى هي عالة على أهلها لذلك قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} . [2] وقال: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاُنْثَىَ ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَىَ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَءِ مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىَ هُونٍ أَمْ يَدُسّهُ فِي التّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [3] . [4] إنه تصوير داخلي للنفس المليئة بالكراهية لهذه الهبة الربانية؛ وهو سرعان ما يظهر على وجه ذاك الذي يبشر بالأنثى، بل يصور القرآن ما يجول في خاطره من تردد بين أمرين اثنين لا مفر له منهما، عليه أن يختار الآن أريحهما له وأهونهما عليه. وهو أشد الظلم في حق الموءودة التي تسأل سؤال تلطف لتقول بلا ذنب قتلت، أو لتدل على قاتلها، أو هو توبيخ له بصرف الخطاب عنه؛ وبالتشديد يزيد في قوله:"بأي ذنب قتلت". [5] وهكذا"تحركت في نفوسهم الخواطر الإجرامية بفشو كراهية ولادة الأنثى؛ ونمو بغضها لديهم، فالرجل يكره ولادتها وامرأته تكره ذلك خشية من فراق زوجها وهجره إياها؛ وقد توارثت هذا الجهل أكثر الأمم على تفاوت بينها فيه، فمن كلام بعضهم وقد ماتت ابنته:"نعم الصهر القبر"." [6]

ومن العنف الذي يمارس عليها أيضا عندهم ويأتي نتيجة للكراهية المتقدمة في نفوسهم، الاحتيال على البنات وحرمانهن من أموال آبائهن بأنواع من الحيل، مثل وقف تلك الأموال على الذكور فقط؛ وقد وصف مالك ذلك بأنه من سنة الجاهلية ورأى ذلك الحبس باطلا. وكان كثير من أقرباء الميت يلجئون بناته إلى إسقاط حقهن في الميراث لإخوتهن في فور الأسف على موت الأب، فلا يمتنعن من ذلك لأنه يعتبر عارا عليهن؛ فإن لم يفعلن قطعهن أقرباؤهن؛ وهي مسألة

(1) انظرأحمد بن محمود النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل،."ع. س"

(2) سورة الإسراء، الآية: 31.

(3) سورة النحل، الآيتين: 57 - 59.

(4) انظر محمد الطاهر بن عاشور، ص: 145."ع. س"

(5) انظر أحمد بن محمود النسفي،"ع. س"

(6) الطاهر بن عاشور،"ع. س"-بتصرف-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت