تعريضي فيه تشويق وإطناب، اقتضاه قصد التهويل في قوله عز من قائل: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [1] ؛ وذلك لأن الافتتاح ب"إذا"افتتاح مشوق، لأنها ظرف يستدعي متعلقا؛ وشرط يؤذن بذكر جواب بعده، فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده، فعندما يسمعه يتمكن من نفسه كمال التمكن؛ وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة"إذا"؛ وتعدد الجمل التي أضيف إليها اثنتي عشرة مرة، فإعادة كلمة"إذا"بعد واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب؛ وهذا الإطناب اقتضاه قصد التهويل، الذي هو من مقتضيات الإطناب والتكرير. وجواب الشروط الإثني عشر هو قوله:"علمت نفس ما أحضرت". وقد خص سؤال الموءودة بالذكر دون غيره مما يسأل عنه المجرمون يوم الحساب، بمناسبة ذكر تزويج النفوس بالأجساد؛ لأن إعادة الأرواح إليها كان بعد مفارقتها بالموت، الذي قضى عليها إما بعارض جسدي من انحلال أو مرض، وإما باعتداء عدواني من قتل أو قتال؛ وكان من أفظع الاعتداء على إزهاق الأرواح من أجسادها، اعتداء الآباء على نفوس أطفالهم بالوأد، حيث ركز الله في الفطر حرص الآباء على استحياء أبنائهم؛ وجعل الأبوين سببا لإيجاد الأبناء؛ وبالتالي فإن الوأد هو أفظع أعمال أهل الشرك.
وسؤال الموءودة هو سؤال تعريضي المراد منه تهديد وائدها ورعبه بالعذاب؛ وظاهر الآية أن سؤال الموءودة وعقوبة من وأدها هو أول ما يقضى فيه يوم القيامة، كما يقتضي ذلك جعل هذا السؤال وقتا تعلم عنده كل نفس ما أحضرت، فهو من أول ما يعلم به حين الجزاء. [2] "وقيل: بأن الحامل كانت إذا أقربت، حفرت حفرة فتمخضت على رأسها، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة؛ وإن ولدت ابنا حبسته". [3] وهل بعد هذه القسوة من قسوة؟؟ وهل هناك أكثر من هذا العنف الذي يقتضي نزع الحياة من طفلة بريئة بطريقة وحشية، لا رحمة فيها ولا شفقة؛ والأدهى والأمر أنه عنف من أقرب الناس إليها وهو الأب.
(1) سورة التكوير، الآيتين: 8 - 9.
(2) انظر محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، عد الأجزاء: 30، (الدار التونسية للنشر، 1984) ،30/ 140 - 145.
(3) محمد الطاهر بن عاشور،"ع. س"، ص: 145.-بتصرف-؛ وانظر محمد الرازي فخر الدين، التفسير االكبير ومفاتيح الغيب، 31/ 70 - 71."ع. س".