يتبين من خلال التمعن في ما ذكر، بأن العلماء مجمعون على وجوب تغيير المنكر لكنهم اختلفوا في الوسائل المباحة على قولين: بين مجيز ومانع. فاحتج المانعون بكون الوسائل تعبدية، بينما خالفهم المجوزون بكون الأصل فيها الجواز. كما أنهم متفقون على المحظورات الشرعية التي من أجلها حرمت وسيلة المظاهرات؛ وهكذا إذا تأمل الباحث في أدلة المجوزين، فإنه يخرج بتأصيل دقيق للنازلة؛ حيث يتبين له بأنها ليست بدعة لأنها ليست عبادة، إنما هي من باب المعاملات والعادات؛ كما أنها ليست خروجا على الحاكم وذلك لأنها في مرحلتها الأولى تكون فقط مطالبة بالإصلاح؛ وهو ما يدخل في وجوب مناصحة أولي الأمر وإيقاظهم من غفلتهم؛ فإن استجيب لهم فبها ونعمت وذلك كما وقع في المغرب؛ أما إذا جوبه المتظاهرون بالسلاح وعكس الحاكم مقصد الشريعة من تنصيبه، فبدأ بالتقتيل والتعذيب والتنكيل، فيكون الانتقال إلى مرحلة أعلى وهي المطالبة بفسخ العقد بين الرعية والحاكم وإسقاط نظامه؛ وهو أمر مشروع لهم باعتبارهم أهل الحل والعقد؛ بل إن مشروعية الحاكم وغطاءه الشعبي يسقط تلقائيا؛ وذلك لأن مقاصد الشريعة في تنصيب الحكام إنما هي الحفاظ على مصالح البلاد والعباد والحفاظ على الضروريات الست. [1]
ويتبين بأن مذهب جمهور العلماء المعاصرين في مشروعية نازلة المظاهرات والثورات؛ وما يدور في فلكها من الاحتجاجات لرفع الظلم والقهر والطغيان هو الراجح، حيث إن أدلتهم أقوى؛ وفيها ما يكفي للرد على أصحاب المذهب الأول كما يتبين من خلال الأدلة التي اعتمدوها؛ والمتفحص لها يتبين له بأن ما حرم سدا للذريعة فهو يباح للمصلحة الراجحة. [2] ثم إنه لابد من التضحيات والصبر على الأذى في تغيير المنكر، بشرط الالتزام بالسلمية في كل ذلك؛ وبالتالي فإن
(1) انظر قاعدة (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) ، علي أحمد الندوي، القواعد الفقهية مفهومها، نشاتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها،"ع. س"، ... ص: 317.
(2) انظرالقاعدة، علي أحمد الندوي،"ع. س"، ص: 155.