بمجموعة من الأسيجة حتى لا تخترق حرمتها وينهار المجتمع بانهيارها. فالإسلام اعتنى بالمرأة عناية عجيبة لأنها أساس الأمن الأسري، والباب الذي يبدأ منه معول الهدم للمجتمع ككل؛ وقد ذكر القرآن الأسرة كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} ؛ [1] ومعنى الآية أن الله تعالى"قسم البشر قسمين: نسب وصهر؛ وذلك لأن الواو للتقسيم بمعنى"أو"؛ وهي أجود من"أو"في التقسيم. و"نسبا وصهرا"مصدران سمي بهما صنفان من القرابة وذلك على تقدير:"ذا نسب وصهر"؛ وشاع ذلك في الكلام. والنسب لا يخلو من أبوة وبنوة؛ وكذا أخوة لأولئك وبنوة لتلك الأخوة. ويطلق الصهر على من له مع الآخر علاقة المصاهرة، من إطلاق المصدر في موضع الوصف، فالأكثر حينئذ أن يختص بقريب زوج الرجل؛ وأما قريب زوج المرأة فهو ختن لها أو حم؛ ولا يخلو أحد أيضا عن آصرة صهر ولو كانت بعيدة. وقد أشار إلى ما في هذا الخلق العجيب من دقائق إيجاد طبيعي واجتماعي بقوله: (وكان ربك قديرا) ومعناه: عظيم القدرة إذ أوجد من هذا الماء خلقا عظيما صاحب عقل وتفكير، فاختصه باتصال أواصر النسب وأواصر الصهر؛ وكان ذلك أصل نظام الاجتماع البشري لتكوين القبائل والشعوب وتعاونهم، مما جاء بهذه الحضارة المرتقية مع العصور والأقطار كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} . [2] وفي تركيب قوله:"وكان ربك قديرا"، من دقيق الإيذان بأن قدرته سبحانه راسخة واجبة له متصف بها في الأزل بما اقتضاه فعل"كان"؛ وما في صيغة"قدير"من الدلالة على قوة القدرة المقتضية تمام الإرادة والعلم". [3]
وهكذا فإن الأسرة وما يترتب عليها من آصرة النسب والصهر، قد اختص الله بها الإنسان وميزه بها عن غيره من الحيوانات؛ لذلك جعل الزواج وسيلة لربط الرجل بالمرأة؛ وقضى على فوضى الجاهلية في الأمور الجنسية؛ ورفع من شأن المرأة وأبعدها عن أن تكون وسيلة للذة فقط، فقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
(1) سورة الفرقان، الآية: 54.
(2) سورة الحجرات، الآية: 13.
(3) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير،19/ 55 - ـ 56."ع. س"-بتصرف-