فهرس الكتاب
عَنْ أَنْ لَا يَعْتَرِفَ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَدْرَأَ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ بِيَمِينٍ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: { وَلِيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } ، كَذَلِكَ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ ، إمَّا الِاعْتِرَافُ وَإِمَّا الْيَمِينُ .
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَوَافَقَهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَدَّهَا إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ مَنْ لَمْ يُرِدْ الْيَمِينَ: خَالَفْتُمْ حَدِيثَ: { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ } ، قُلْنَا: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اخْتَارَهَا ، وَإِنْ اسْتَعْفَى أَنْ يُعْطِيَ وَيَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَلَهُمَا ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْمُدَّعِي صِدْقَ نَفْسِهِ ، وَلَمَّا { اعْتَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ النَّاسُ يَعُودُونَهُ وَكَانَ شَادًّا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ فَجَلَسَ وَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي عَلَيَّ حَقًّا أَوْ مَظْلَمَةٌ مِنْ مَالٍ يَلْزَمُنِي أَوْ حَقٍّ فِي يَدِي ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ مِنِّي ، أَوْ قَالَ: أُقْرِضْتَ مِنِّي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي سَرَاوِيلَ اشْتَرَيْتَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَمَّا إنِّي أُصَدِّقُكَ وَلَا أُحَلِّفُكَ ، وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ادْفَعْ إلَيْهِ } ، فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فَقَدْ عَلِمْنَا بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِنْ قُلْتَ: مَا الْوُجُوهُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ ؟ قُلْتُ: قَالُوا فِي الدِّيوَانِ": وَيَرْجِعُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْمَعْلُومِ كُلِّهِ مِنْ التَّعَدِّيَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ ، أَيْ مِمَّا فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْيَمِينِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْعَفْوِ ."
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرُدَّ خَلِيفَةُ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ مِمَّا يُدْرِكُ عَلَيْهِ