وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ مِنْهُ إنْ تَرَاءَيَا وَكَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَجُوِّزَ الْفِرَارُ مَا لَمْ يَتَرَامَوْا ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَطَاعَنُوا وَمَا دَامَتْ لَهُمْ قُوَّةٌ يَقِفُونَ بِهَا لَهُ .
الشَّرْحُ ( وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ مِنْهُ ) ، أَيْ مِنْ مُرِيدِ الْبَغْيِ ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ ( إنْ تَرَاءَيَا ) لَا إنْ رَأَوْا الْعَدُوَّ وَلَمْ يَرَهُمْ الْعَدُوُّ أَوْ رَآهُمْ الْعَدُوُّ وَلَمْ يَرَوْهُ ( وَكَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ) أَوْ نِصْفَهُ ، وَجَازَ الْفِرَارُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَعَلَا: { فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وَالْآيَةُ وَلَوْ كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ ، لَكِنْ نَعْنِي بِالْمَعْنَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ( وَجُوِّزَ الْفِرَارُ مَا لَمْ يَتَرَامَوْا ) بِالنِّبَالِ أَوْ بِالْحِجَارَةِ أَوْ بِالْبَنَادِقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ تَقَارَبُوا ، وَإِذَا تَرَامَوْا لَمْ يَجُزْ الْفِرَارُ وَلَوْ بَعِدُوا ، ( وَقِيلَ: ) يَجُوزُ الْفِرَارُ وَلَوْ تَقَارَبُوا أَوْ تَرَامَوْا ( مَا لَمْ يَتَطَاعَنُوا ) بِنَحْوِ الرِّمَاحِ أَوْ يَتَضَارَبُوا بِنَحْوِ السُّيُوفِ وَالْخَشَبِ ( وَمَا دَامَتْ لَهُمْ قُوَّةٌ يَقِفُونَ بِهَا لَهُ ) ، أَيْ لِمُرِيدِ الْبَغْيِ ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ قُوَّةٌ بِمَرَضٍ نَزَلَ أَوْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يَضُرُّهُمْ أَوْ يَنْقُصُ عَنْ نِصْفِ الْعَدُوِّ أَوْ بِذَهَابِ سِلَاحٍ أَوْ انْكِسَارِهِ أَوْ بِخِذْلَانٍ أَوْ بِهَزِيمَةِ مَنْ انْهَزَمَ مِنْهُمْ فَلَهُمْ الْفِرَارُ ، وَمَنْ فَرَّ حَيْثُ حَرُمَ الْفِرَارُ فَوَقَعَتْ الْهَزِيمَةُ بِهِ لَزِمَهُ ضَمَانُ مَا وَقَعَ مِنْ فَسَادٍ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ ذَهَابِ مَالٍ أَوْ أَخْذِ نَفْسٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ وَقَعَ فِي ضَرُورَةِ الْهَزِيمَةِ وَلَمْ تَدُمْ لَهُ قُوَّةٌ بِفِرَارِهِ .