رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ لَوْ انْحَازَ إلَيْنَا لَكُنَّا فِئَةً ، وَكَذَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ وَزَادَ عَنْ عُمَرَ: أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { خَرَجْت فِي سَرِيَّةٍ فَفَرُّوا ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ دَخَلُوا الْبُيُوتَ حَيَاءً ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَارُّونَ ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الْكَرَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ } وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا فَرَّ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكْت فَرَرْت مِنْ الزَّحْفِ ، فَقَالَ: أَنَا فِئَتُك ، وَعَنْ الْحَسَنِ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ انْحَازُوا إلَيْنَا - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ - مِنْ ذَلِكَ لَكُنَّا لَهُمْ فِئَةً ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولَانِ لِلْجُيُوشِ: إنْ غَلَبَكُمْ أَمْرٌ انْحَازُوا إلَيْنَا فَأَنَا فِئَتُكُمْ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَبِيرَةً لِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إلَى الْعَدُوِّ بِعُدَّةٍ قَوِيَّةٍ مِنْ الْمِصْرِ مَثَلًا ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ كَبِيرَةٌ وَهِيَ مُوبِقَةٌ ، وَكَذَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ ، وَذَلِكَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمِثْلُهُ قِتَالُ الْمُنَافِقِينَ ، إلَّا إنْ فَرَّ تَحَرُّفًا أَوْ تَحَيُّزًا إلَى فِئَةٍ قَرِيبَةٍ حَاضِرَةً لِلْقِتَالِ أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدُوِّهِمْ ، فَالْأَوَّلَانِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: { إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ } ، وَالثَّالِثُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ } الْآيَةَ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ الْأَوَّلِ ، وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فَرَّ مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، يَعْنِي لَا يُعَدُّ فِي الْفَارِّينَ الْفِرَارَ الْحَرَامَ ، وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ هُوَ الْعَدَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: تُنَزَّلُ الْعُدَّةُ وَالْقُوَّةُ أَيْضًا مَنْزِلَةَ الْعَدَدِ ، فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَنْ تَفِرَّ