( وَهَلْ جَازَتْ مُحَالَلَةٌ فِي غِيبَةٍ ) وَهِيَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اغْتَابَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ الْغِيبَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ عَلَيَّ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَفَا عَنْ مَظْلَمَتِهِ لَا أَنَّهُ قَلَبَ الْحَرَامَ حَلَالًا ، إذْ الْحَرَامُ لَا يَنْقَلِبُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عَرَضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلْهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ } ، وَالْمُرَادُ طَلَبُ الْعَفْوِ وَالتَّنَصُّلِ عَنْ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِامْرَأَةٍ أَنَّهَا طَوِيلَةُ الذَّيْلِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { اغْتَبْتِهَا فَاسْتَحِلِّيهَا } فَإِذًا الِاسْتِحْلَالُ لَا بُدَّ مِنْهُ إنْ قُدِرَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ غَابَ أَوْ مَاتَ اسْتَغْفَرَ لَهُ إنْ كَانَ مُتَوَلًّى وَنَفَعَهُ بِالدُّعَاءِ وَنَوَاهُ بِصَدَقَةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَسَنَاتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلًّى نَفَعَهُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ ذَكَرَ تَحْلِيلُ ذَاكِرِهِ بَلْ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٍّ ، وَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الِاسْتِحْلَالِ إنَّمَا هُوَ إنْ حَضَرَ لِلْغِيبَةِ أَوْ بَلَغَتْهُ ، وَأَمَّا إنْ اغْتَابَهُ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ وَلَا بَلَغَتْهُ أَوْ اغْتَابَهُ حَاضِرًا بِلُغَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا أَوْ بِتَلْوِيحٍ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ غَافِلًا وَلَمْ يَنْتَبِهْ وَلَمْ تَبْلُغْهُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ فَلْيَتُبْ وَلْيُزِلْ مَا حَدَثَ مِنْ نَقْصٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ أَوْ مَضَرَّةٍ فَقَطْ ، وَلَا يَذْكُرُهَا لَهُ لِئَلَّا يُشَوِّشَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ: يَذْكُرُهَا لَهُ وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْحِلَّ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { الْغِيبَةُ لَا تُغْفَرُ حَتَّى يَغْفِرَهَا صَاحِبُهَا } .
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْوَاجِبُ عَلَى الْمُغْتَابِ أَنْ يَنْدَمَ وَيَتُوبَ وَيَتَأَسَّفَ عَلَى مَا فَعَلَهُ لِيَخْرُجَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ يَسْتَحِلَّ الْمُغْتَابَ لِيُحِلَّهُ فَيَخْرُجَ