وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ وَقَلْبُهُ جَوْهَرَةٌ طَاهِرَةٌ خَالِيَةٌ مِنْ النَّقْشِ وَالصُّورَةِ فَهِيَ قَابِلَةٌ لِمَا يُنْقَشُ أَوْ يُصَوَّرُ فِيهَا فَإِنْ عَلَّمَاهُ الْخَيْرَ انْتَقَشَ وَتَصَوَّرَ فِيهِ وَكَانَ لَهُ وَلِمَنْ عَلَّمَهُ الْأَجْرُ دُنْيَا وَأُخْرَى ، بَلْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ أَوْ أُهْمِلَ خَطَفَهُ الشَّيْطَانُ فَانْتَقَشَ فِي قَلْبِهِ الشَّرُّ وَتَصَوَّرَ بِهِ فَهَلَكَ هُوَ وَمَنْ أَهْمَلَهُ } ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلَيْكُمْ نَارًا } ، فَكَيْفَ لَا يَصُونُهُ أَبَوَاهُ عَنْ نَارِ الْآخِرَةِ وَيَصُونَانِهِ عَنْ نَارِ الدُّنْيَا ؟ وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ أَبُوهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ وَلَا يُعَوِّدَهُ التَّنَعُّمَ وَلَا يُحَبِّبَ إلَيْهِ الزِّينَةَ وَأَسْبَابَ الرَّفَاهِيَةِ فَيُضَيِّعَ عُمْرَهُ فِي طَلَبِهَا إذَا كَبُرَ فَيَهْلَكَ ، وَيَسْتَرْضِعَهُ حِينَ الرَّضَاعِ صَالِحَةً مُتَدَيِّنَةً فَإِنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِي لَبَنِ الْحَرَامِ ، فَإِنْ نَشَأْ بِهِ مَالَ طَبْعُهُ إلَى الْخَبَائِثِ ، فَإِذَا رَأَى فِيهِ مَخَائِلَ التَّمْيِيزِ أَحْسَنَ مُرَاقَبَتَهُ .
وَأَوَّلُ ذَلِكَ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ فَيَرَاهُ يَسْتَحِي مِنْ بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَذَلِكَ لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ ، فَهَذِهِ هَدِيَّةٌ وَبِشَارَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِدَالِهِ وَصَفَائِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ إذَا بَلَغَ ، فَيُسْتَعَانُ بِحَيَائِهِ عَلَى تَأْدِيبِهِ ، فَيُؤَدَّبُ عَنْ شَرَهِ الطَّعَامِ أَوَّلًا وَيُقَالُ لَهُ: لَا تَأْخُذْ الطَّعَامَ إلَّا بِيَمِينِكَ ، وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، وَلَا تُبَادِرُ إلَى الطَّعَامِ قَبْلَ غَيْرِكَ ، وَأَجِدْ الْمَضْغَ وَلَا تَنْظُرْ إلَى مَنْ يَأْكُلُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ ، وَيُعَوَّدُ الْخُبْزَ بِلَا إدَامٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِئَلَّا يَلْتَزِمَهُ ، وَيُشَبَّهُ لَهُ