فهرس الكتاب
إلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا حُسْنُ التَّوَكُّلِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ فَهُوَ ذِكْرُ ضَمَانِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحِصْنُ التَّوَكُّلِ ذِكْرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَالُ قُدْرَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنْ الْخُلْفِ وَالسَّهْوِ وَالْعَجْزِ ، فَإِذَا وَاظَبَ الْقَلْبُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بَعَثَتْهُ عَلَى التَّوَكُّلِ فِي أَمْرِ الرِّزْقِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَهُ بِالْخَلْقِ فَقَالَ: { خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ تَعَالَى كَالْخَلْقِ ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْأَدِلَّةِ حَتَّى وَعَدَ فَقَالَ: { إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ } ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالْوَعْدِ حَتَّى ضَمِنَ فَقَالَ: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمَانِ حَتَّى أَقْسَمَ فَقَالَ: { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ } ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى أَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ فَأَبْلَغَ وَأَنْذَرَ وَقَالَ: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } ، فَمَنْ لَمْ يَعْبَأْ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِوَعْدِهِ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ لِضَمَانِهِ وَلَمْ يَقْنَعْ بِقَسَمِهِ وَلَمْ يُبَالِ بِأَمْرِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَانْظُرْ مَاذَا يَكُونُ حَالُهُ .
قَالَ الْحَسَنُ: لَعَنْ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ ، وَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ } إلَخْ: هَلَكَتْ بَنُو آدَمَ أَغْضَبُوا رَبَّهُمْ حَتَّى أَقْسَمَ لَهُمْ عَلَى أَرْزَاقِهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُّلِ هُوَ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ وَالتَّدْبِيرِ بِالْقَلْبِ وَالسُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ ، وَكَاللَّحْمِ عَلَى الْوَضْمِ ، وَهَذَا ظَنُّ الْجَاهِلِ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِارْتِكَابِ مُحَرَّمَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُّلِ فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعِلْمِهِ إلَى مَقَاصِدِهِ ، وَذَلِكَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: