فهرس الكتاب
الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ أُسْبُوعًا أَوْ مَا قَارَبَهُ ؛ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَشِيشِ أَوْ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ ، فَبَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِدَ طَعَامًا أَوْ يَنْتَهِيَ إلَى مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ ، وَالْأَوَّلُ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَحَرَّكَ الطَّعَامُ مَمْضُوغًا فِي فِيهِ وَقَامَ زَاهِدٌ فِي جَبَلٍ سَبْعًا وَقَالَ: لَا أَسْأَلُ أَحَدًا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَرْزُقُك حَتَّى تَدْخُلَ الْأَمْصَارَ ، فَفَعَلَ فَأَتَاهُ النَّاسُ بِالطَّعَامِ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَرَدْت أَنْ تُذْهِبَ حِكْمَتِي بِزُهْدِك ، أَمَا عَلِمْت أَنِّي أَرْزُقُ عَبْدِي عَلَى أَيْدِي عِبَادِي أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَرْزُقَهُ بِيَدِ قُدْرَتِي ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ انْحَازَ عَبْدٌ إلَى جَبَلٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا حَشِيشَ وَلَا يَطْرُقُهُ إنْسَانٌ وَجَلَسَ فِيهِ مُتَوَكِّلًا لَكَانَ آثِمًا سَاعِيًا فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ ، فَالتَّبَاعُدُ عَنْ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا مُرَاغَمَةٌ لِلْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ ، فَالْأَوَّلُ مُتَوَكِّلٌ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ ، وَالثَّانِي مُتَوَكِّلٌ بِهِمَا وَبِالشَّرْطِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ الزَّادُ مِنْهُ فَيَمُوتُ جُوعًا .
الثَّالِثُ: الْقَاعِدُ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ تَارِكًا لِلْكَسْبِ ، وَهَذَا مُتَوَكِّلٌ وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالْقُعُودِ فِي الْمِصْرِ مُتَعَرِّضٌ لِأَسْبَابِ الرِّزْقِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَوَكُّلُهُ إذَا كَانَ نَظَرُهُ إلَى مُسَخِّرِ سُكَّانِ الْمَسْجِدِ لَا إلَى سُكَّانِ الْبَلَدِ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَابِدًا كَانَ بِالْحَرَمِ وَكَانَ رَجُلٌ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِقُرْصَتَيْنِ يُفْطِرُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَتْ لَهُ نَفْسُهُ: يَا هَذَا مَا هَذِهِ الْغَفْلَةُ وَمَا هَذَا السُّكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، سَكَنْتَ إلَى هَذَا الْمَخْلُوقِ وَنَسِيتَ رَزَّاقَ الْمَخْلُوقِينَ ؟ فَبَيْنَمَا هُوَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ فَإِذَا بِالرَّجُلِ أَتَاهُ بِالْقُرْصَتَيْنِ فَرَدَّهُمَا عَلَيْهِ وَانْتَهَرَهُ