فهرس الكتاب
وَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ بِقُوتٍ ، فَشَكَّا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَنَامَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ: عَبْدِي لِمَ رَدَدْت عَبْدِي بِمَا أَرْسَلْتُ بِهِ إلَيْكَ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ بِمَا قَامَ فِي نَفْسِي مِنْ السُّكُونِ إلَى غَيْرِك ، قَالَ لَهُ: عَبْدِي مَنْ أَرْسَلَهُ إلَيْك ؟ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّ ، قَالَ: فَأَنْتَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ ، قَالَ: مِنْك ، قَالَ: فَخُذْ وَلَا تَعُدْ ، وَنَامَ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْقُرْصَتَيْنِ فَرَأَى كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ: لِمَ قَطَعْت عَلَى عَبْدِي الْقُرْصَتَيْنِ ؟ .
فَقَالَ: يَا رَبِّ رَدَّهُمَا عَلَيَّ وَانْتَهَرَنِي ، فَقَالَ لَهُ: لِمَنْ كُنْت تُعْطِي ؟ قَالَ: لَك يَا رَبِّ ، قَالَ: فَمُرَّ عَلَى عَادَتِك ، وَثَوَابُك الْجَنَّةُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكْتَسِبَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ يَرَى كَسْبَهُ وَبِضَاعَتَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَرَى الْقَلَمَ فِي يَدِ الْكَاتِبِ فَلَا يَكُونُ نَظَرُهُ إلَى الْقَلَمِ ، بَلْ إلَى قَلْبِ الْمَلَكِ الْكَاتِبِ بِمَاذَا يَتَحَرَّكُ وَإِلَى مَاذَا يَمِيلُ ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بِبَدَنِهِ مُكْتَسِبٌ وَبِقَلْبِهِ عَنْهُ مُنْقَطِعٌ ، فَحَالُ هَذَا أَشْرَفُ مِنْ حَالِ الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ إذَا رُوعِيَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ ، وَانْضَافَ إلَيْهِ الْحَالُ وَالْمَعْرِفَةُ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: التَّوَكُّلُ بِالْقَلْبِ وَالِاكْتِسَابُ بِالْبَدَنِ ، فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنْتَ مُتَوَكِّلٌ ، وَإِنْ تَرَكْت الْعَمَلَ بِيَدِك وَاشْتَغَلَ قَلْبُك بِالْخَلْقِ فَلَسْت بِمُتَوَكِّلٍ ، وَأَمَّا حِفْظُ الْمَوْجُودِ فِي الْيَدِ بِالصِّيَانَةِ وَالِادِّخَارِ ، فَإِنْ اسْتَوْثَقَ الْعَبْدُ بِمَا فِي يَدِهِ وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ وَلَا يُفَارِقُهُ فَقَدْ اتَّكَلَ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ .
وَإِنْ اتَّكَلَ عَلَى ذَلِكَ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ وَأَدَّى حُقُوقَهُ فَهُوَ مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ الِاسْتِيثَاقُ بِمَا فِي يَدِهِ ،