فهرس الكتاب
وَالثِّقَةُ بِالْمَوْجُودِ سُوءُ الظَّنِّ بِالْمَعْبُودِ ، وَأَمَّا دَفْعُ ضَارٍ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ فَفَرْضٌ كَلِصٍّ وَسَبُعٍ وَبَرْدٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { خُذُوا حِذْرَكُمْ } ، وَقَدْ ظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَاِتَّخَذَ خَنْدَقًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَأَقَامَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ لِيَحْفَظُوا مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَيَلْبَسُ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } ، وَأَمَّا إزَالَةُ ضَارٍ قَدْ نَزَلَ بِهِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ ، كَالتَّدَاوِي مِنْ الْأَمْرَاضِ ، وَقَدْ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُدَاوَاةِ وَقَالَ: { إنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ قَدْ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ } ، وَيُقَالُ: إنَّهُ شَرِبَ السِّنَاءَ بِالتَّمْرِ وَاسْتَعَاطَ بِالسِّمْسِمِ ، وَقَدْ ذَكَرْت كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي"تُحْفَةِ الْحُبِّ فِي أَصْلِ الطِّبِّ"وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ { يَا رَبِّ ، مِمَّنْ الدَّاءُ ؟ قَالَ: مِنِّي ، قَالَ: فَمِمَّنْ الدَّوَاءُ ؟ قَالَ: مِنِّي ، قَالَ: فَمَا يَنْفَعُ الْأَطِبَّاءُ ؟ قَالَ: يُطَيِّبُونَ قُلُوبَ عِبَادِي } .
فَلْيَتَوَقَّعْ الْعَبْدُ الشِّفَاءَ مِنْ اللَّهِ رَبِّ الدَّوَاءِ ، وَلَا يَنْظُرْ إلَى نَفْسِ الدَّوَاءِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ اسْتَرْقَى أَوْ اكْتَوَى فَقَدْ بَرِئَ مِنْ التَّوَكُّلِ"، وَقَوْلِهِ:"لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنْ اسْتَرْقَى وَاكْتَوَى"مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَوَكِّلًا عَلَى الرُّقْيَةِ وَالْكَيَّةِ ، وَأَمَّا مَنْ اكْتَوَى أَوْ اسْتَرْقَى ، وَأَيْقَنَ أَنَّ النَّفْعَ بِهِمَا مِنْ اللَّهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْفَعَاهُ فَمُتَوَكِّلٌ ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّوَاءَ .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمْ الرَّهْطُ وَنَبِيٌّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقُلْت: مَا هَذَا ؟ هَذِهِ أُمَّتِي ؛ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ ، قِيلَ لِي: اُنْظُرْ إلَى الْأُفُقِ