فهرس الكتاب
حَادِثَةٌ بِلَا سَبَبٍ إذْ فِيهَا حَادِثٌ بِلَا سَبَبٍ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ، وَالْمُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ ، فَيَلْزَمُ فِي الْعَقْلِ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِ شَيْءٍ قَدِيمٍ بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا قَدِيمَةً أَوْ كُلُّهَا حَادِثَةً أَوْ بَعْضُهَا قَدِيمَةً وَبَعْضُهَا حَادِثَةً ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا قَدِيمَةً فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ إذْ ثَبَتَ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدِيمٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً فَهُوَ مُحَالٌ إذْ يُؤَدِّي إلَى حُدُوثٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَيَثْبُتُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَوْ الْأَوَّلُ ، وَكُلُّ عِلْمٍ حَصَّلَ هَذَا الْوَجْهَ يُسَمَّى يَقِينًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ ، سَوَاءٌ حُصِّلَ بِنَظَرٍ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ حُصِّلَ بِإِحْسَاسٍ أَوْ بِغَرِيزَةِ الْعَقْلِ كَالْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ أَوْ بِتَوَاتُرٍ كَالْعِلْمِ بِوُجُودِ مَكَّةَ أَوْ بِتَجْرِبَةٍ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَطْبُوخَ مُسَهِّلٌ أَوْ بِدَلِيلٍ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَشَرْطُ إطْلَاقِ هَذَا الِاسْمِ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الشَّكِّ فَكُلُّ عِلْمٍ لَا شَكَّ فِيهِ يُسَمَّى يَقِينًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ ، وَعَلَى هَذَا لَا يُوصَفُ الْيَقِينُ بِالضَّعْفِ إذْ لَا تَفَاوَتَ فِي نَفْيِ الشَّكِّ .
الِاصْطِلَاحُ الثَّانِي لِلْفُقَرَاءِ وَالْمُتَصَوِّفَةُ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ فِيهِ إلَى اعْتِبَارِ التَّجْوِيزِ وَالشَّكِّ بَلْ إلَى اسْتِيلَائِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْقَلْبِ ، حَتَّى يُقَالَ: فُلَانٌ ضَعِيفُ الْيَقِينِ بِالْمَوْتِ مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ وَيُقَالَ: فُلَانٌ قَوِيُّ الْيَقِينِ فِي إتْيَانِ الرِّزْقِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ ، فَمَهْمَا مَالَتْ النَّفْسُ إلَى التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ وَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ وَاسْتَوْلَى حَتَّى صَارَ هُوَ الْمُتَحَكِّمَ وَالْمُتَصَرِّفَ فِي النَّفْسِ بِالتَّحْرِيضِ وَالْمَنْعِ سُمِّيَ ذَلِكَ يَقِينًا ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّاسَ مُشْتَرَكُونَ فِي الْقَطْعِ بِالْمَوْتِ وَالِانْفِكَاكِ عَنْ الشَّكِّ فِيهِ وَلَكِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَلَا إلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَكَأَنَّهُ غَيْرُ