فهرس الكتاب
يَقِينًا فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَقِينِ هِيَ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّ الْيَقِينَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَمُتَعَلِّقُهُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الشَّرَائِعُ فَمِنْ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ ، وَهُوَ أَنْ يَرَى الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْوَسَائِطِ وَيَرَاهَا مُسَخَّرَةً لَا حُكْمَ لَهَا فَالْمُصَدِّقُ بِهَذَا مُوقِنٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ الثِّقَةُ بِضَمَانِ اللَّهِ الرِّزْقَ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } فَإِنْ صَحَّتْ ثِقَتُهُ لَمْ يَشْتَدَّ خَوْفُهُ وَلَا حِرْصُهُ وَشَرَهُهُ وَتَأَسُّفُهُ ، وَأَثْمَرَتْ هَذِهِ الثِّقَةُ جُمْلَةً مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } الْآيَةَ ، وَهُوَ الْيَقِينُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ حَرَصَ عَلَى الطَّاعَاتِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا كَمَا يَتَحَفَّظُ الْجَائِعُ عَلَى قَلِيلِ الْخُبْزِ وَكَثِيرِهِ وَتَجَنَّبَ الْمَعَاصِيَ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا كَمَا يَتَجَنَّبُ السُّمَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْيَقِينُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْك فِي كُلِّ حَالٍ سِرِّك وَظَاهِرِك ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْك تَأَدَّبْت فِي خَلْوَتِك وَفِي قَلْبِك كَالْمُشَاهَدِ لِمُلْكٍ عَظِيمٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَأَدَّبْت بِهِ فِي مَشْهَدِ النَّاسِ وَفِي ظَاهِرِك ، وَوَرِثْت الْحَيَاءَ وَالْخُضُوعَ ، وَالِانْكِسَارَ وَالْخَوْفَ فَهَذِهِ أَخْلَاقٌ تُوَرِّثُ أَنْوَاعًا مِنْ الطَّاعَاتِ رَفِيعَةً فَالْيَقِينُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كَالشَّجَرَةِ ، وَالْأَخْلَاقُ كَالْأَغْصَانِ ، وَالْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْأَخْلَاقِ كَالثِّمَارِ وَالْأَنْوَارِ ، فَإِذَا رَسَخَ فِيهِ الْحُزْنُ وَالِانْكِسَارُ وَالْخَشْيَةُ كَانَ نَظَرُهُ مُذَكِّرًا بِاَللَّهِ وَصُورَتُهُ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِهِ .
وَقَدْ قِيلَ: مَا أَلْبَسَ اللَّهُ عَبْدًا لُبْسَةً أَحْسَنَ مِنْ