فهرس الكتاب

الصفحة 16720 من 17437

فَرَجَعَ الْعَابِدُ إلَى مُتَعَبَّدِهِ فَبَاتَ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى دِينَارَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ فَأَخَذَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الْغَدُ ، ثُمَّ أَصْبَحَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَغَضِبَ وَأَخَذَ فَأْسَهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ إبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ: إلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ لَهُ: أَقْطَعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ ، فَقَالَ: كَذَبْت وَاَللَّهِ مَا أَنْتَ بِقَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ لَك إلَيْهَا فَتَنَاوَلَهُ الْعَابِدُ لِيَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ: هَيْهَاتَ ، فَأَخَذَهُ إبْلِيسُ وَصَرَعَهُ فَإِذَا هُوَ كَالْعُصْفُورِ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَقَعَدَ إبْلِيسُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ فَنَظَرَ الْعَابِدُ فَإِذَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ فَقَالَ: يَا هَذَا غَلَبْتَنِي فَخَلِّ عَنِّي وَأَخْبَرَنِي كَيْفَ غَلَبْتُكَ أَوَّلًا وَغَلَبْتنِي الْآنَ ؟ .

فَقَالَ: لِأَنَّك غَضِبْت أَوَّلَ مَرَّةٍ لِلَّهِ وَكَانَتْ نِيَّتُك الْأُخْرَى فَسَخَّرَنِي اللَّهُ لَك ، وَهَذِهِ الْمَرَّةُ غَضِبْت لِنَفْسِك وَلِلدُّنْيَا فَصَرَعْتُك وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } ، - بِكَسْرِ اللَّامِ - أَيْ مُخْلِصِي الْعِبَادَةِ - أَوْ بِفَتْحِهَا - أَيْ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ اللَّهُ لِلْعِبَادَةِ ، وَلَا يَنْجُو مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا الْمُخْلِصُ وَلِهَذَا يَقُولُ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ: يَا نَفْسِي أَخْلِصِي ، وَقَالَ يَعْقُوبُ الْمَكْفُوفُ: الْمُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: طُوبَى لِمَنْ صَحَّتْ لَهُ خَلْوَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُرِيدُ بِهَا إلَّا اللَّهَ تَعَالَى ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت