فهرس الكتاب
قَالَ السُّوسِيُّ: الْإِخْلَاصُ فَقْدُ رُؤْيَةِ الْإِخْلَاصِ ، فَإِنَّ مَنْ شَهِدَ بِإِخْلَاصِهِ فَقَدْ احْتَاجَ إخْلَاصُهُ إلَى إخْلَاصٍ لِأَنَّ فِيهِ طَرَفًا مِنْ الْعُجْبِ ، أَوْ مِنْ الرِّضَى عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ سَهْلٌ: أَنْ يَكُونُ سُكُونُ الْعَبْدِ وَحَرَكَاتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: الْإِخْلَاصُ صِدْقُ النِّيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ لِسَهْلٍ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ ؟ فَقَالَ: الْإِخْلَاصُ إذْ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ ، وَقَالَ رُوَيْمٌ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ أَنْ لَا يُرِيدَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ عِوَضًا فِي الدَّارَيْنِ ، لِأَنَّ نَعِيمَ الْآخِرَةِ حَظٌّ لِلنَّفْسِ فَمَا يُرِيدُ إلَّا اللَّهَ وَهَذَا إخْلَاصُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الْمُطْلَقُ ، وَأَمَّا الْعَامِلُ لِرَجَاءِ الْجَنَّةِ وَخَوْفِ النَّارِ فَمُخْلِصٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ ، وَقَدْ قَضَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ بِكُفْرِ مُدَّعِي الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحُظُوظِ ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِنْسَانُ حَظَّ الدُّنْيَا أَوْ حَظَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ الْأُنْسَ بِاَللَّهِ وَالتَّلَذُّذَ بِمَعْرِفَتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ .
وَقَالَ: الْبَرَاءَةُ مِنْهَا صِفَةُ الْأُلُوهِيَّةِ ، وَصَدَقَ ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَرَادُوا غَيْرَ النَّوْعِ الَّذِي هُوَ الْأُنْسُ بِهِ تَعَالَى وَالتَّلَذُّذُ بِمَعْرِفَتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَلَا يُسَمُّونَهُ حَظًّا بَلْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ .