فهرس الكتاب
، وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: أَصْلُ النِّيَّةِ وَمَعْنَاهَا أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدُ جَهْدَهُ وَطَاقَتَهُ إذَا كَانَ الْعَمَلُ عَلَى السُّنَّةِ ، وَأَمَّا مَا عَمِلَ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ فِيهِ النِّيَّةَ ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِيهِ جَهْدَهُ وَطَاقَتَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْقَصْدَ عِبَارَاتٌ تَتَوَارَدُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ حَالَةٌ وَصِفَةٌ لِلْقَلْبِ يَكْتَنِفُهَا أَمْرَانِ عِلْمٌ وَعَمَلٌ ، الْعِلْمُ يَتَقَدَّمُهُ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ وَشَرْطُهُ ، وَالْعَمَلُ يَتْبَعَهُ لِأَنَّهُ ثَمَرَتُهُ وَفَرْعُهُ لِأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ اخْتِيَارِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: عِلْمٌ وَإِرَادَةٌ وَقُدْرَةٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعْمَلُ مَا لَمْ يُرِدْ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةٍ وَمَعْنَى الْإِرَادَةِ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ إلَى مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْغَرَضِ إمَّا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ ، فَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ يُوَافِقُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ ، وَيُلَائِمُ غَرَضَهُ ، وَيُخَالِفُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ .
فَاحْتَاجَ إلَى جَلْبِ الْمُلَائِمِ الْمُوَافِقِ إلَى نَفْسِهِ وَدَفْعِ الضَّارِّ الْمُنَافِي لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ إنَّهُ إمَّا أَنْ يَنْفَرِدَ الْبَاعِثُ الْوَاحِدُ كَمَا إذَا هَجَمَ السَّبُعُ عَلَى أَحَدٍ فَلَا غَرَضَ لَهُ إلَّا الْهَرَبُ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ ضَارًّا فَهَذِهِ نِيَّةٌ خَالِصَةٌ ، وَالْعَمَلُ مُخْلَصٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْبَاعِثِ أَيْ عَنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ وَمُمَازَجَتِهِ ، وَإِمَّا أَنَّهُ يَجْتَمِعُ بَاعِثَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِنْهَاضِ لَوْ انْفَرَدَ كَمَا إذَا حَمَلَ اثْنَانِ شَيْئًا يُطِيقُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهُ قَرِيبُهُ الْفَقِيرُ حَاجَةً فَيَقْضِيَهَا لِفَقْرِهِ وَقَرَابَتِهِ وَعِنْدَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا لَقَضَاهَا لِقَرَابَتِهِ وَبِالْعَكْسِ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَسْأَلُهُ قَرِيبُهُ الْغَنِيُّ فَيَقْضِي لَهُ وَالْفَقِيرُ الْأَجْنَبِيُّ فَيَقْضِي لَهُ وَمِثْلُ مَنْ يَأْمُرُهُ الطَّبِيبُ بِتَرْكِ