فهرس الكتاب

الصفحة 16936 من 17437

تَرْكَهُ بَعْضَ الذُّنُوبِ لَا يُفِيدُ أَصْلًا بَلْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَمَا أَعْظَمَ خَطَأَكَ ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ كَثْرَةَ الذُّنُوبِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْعِقَابِ ، وَقِلَّتَهَا سَبَبٌ لِقِلَّتِهِ ، وَنَقُولُ لِمَنْ قَالَ: تَصِحُّ: إنْ أَرَدْت بِهِ أَنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ تُوجِبُ قَبُولًا يُوصِلُ إلَى النَّجَاةِ أَوْ الْفَوْزِ فَهَذَا أَيْضًا خَطَأٌ بَلْ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ هَذَا حُكْمُ الظَّاهِرِ ، وَلَسْنَا نَتَكَلَّمُ فِي خَفَايَا أَسْرَارِ عَفْوِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُطْلَقًا تُبْعِدُ عَنْ اللَّهِ وَتُقَرِّبُ إلَى عِقَابِهِ فَكَيْفَ ، يَفُوزُ وَيَنْجُو مَنْ فِيهِ مُوجِبُ ذَلِكَ ، وَتَابَ عَنْ مُوجِبٍ آخَرَ فَكَمَا تَتَوَجَّعُ بِقَتْلِ مَنْ تُحِبُّ بِسَيْفٍ تَتَوَجَّعُ بِقَتْلِهِ بِغَيْرِهِ ، وَكَمَا تَتَوَجَّعُ بِذَهَابِ مَالٍ بِغَرَقٍ تَتَوَجَّعُ بِذَهَابِهِ بِغَيْرِهِ ، وَإِلَّا لَجَازَ أَنْ يَتُوبَ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ هَذَا الدَّنِّ دُونَ الْآخَرِ أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا دُونَ وَقْتِ كَذَا ، أَوْ مِنْ الزِّنَى بِهَذِهِ دُونَ هَذِهِ ثُمَّ إنَّ التَّوْبَةَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصِّغَارِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَجْلَبُ لِسَخَطِ اللَّهِ وَمَقْتِهِ ، وَالصَّغَائِرُ أَقْرَبُ إلَى طُرُقِ الْعَفْوِ إلَيْهَا .

وَقَدْ يَتُوبُ عَنْ بَعْضِ الْكَبَائِرِ دُونَ بَعْضٍ اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ بَعْضًا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ، مِثْلُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ الْمَظَالِمِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلْعِبَادِ وَيَتَسَاهَلَ بِالتَّأْخِيرِ لِذُنُوبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَيَقُولُ: هِيَ دِيوَانٌ يُغْفَرُ ، وَمِثْلُ أَنْ يَتُوبَ عَنْ الْخَمْرِ ، لِأَنَّهَا أُمُّ الشُّرُورِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَقَدْ يَتُوبُ مِنْ صَغِيرَةٍ أَوْ صَغَائِرَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى كَبِيرَةٍ ، إذْ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى مَعَاصِيهِ وَنَادِمٌ عَلَى فِعْلِهِ نَدَمًا إمَّا ضَعِيفًا أَوْ قَوِيًّا ، لَكِنْ تَكُونُ لَذَّةُ نَفْسِهِ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ أَقْوَى مِنْ أَلَمِ قَلْبِهِ فِي الْخَوْفِ مِنْهَا لِأَسْبَابٍ تُوجِبُ ضَعْفَ الْخَوْفِ كَالْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت